الأخبار المحلية

بعد سبع سنوات.. نازحو رأس العين يبدؤون العودة من الحسكة

Reading Time: 1 minute

بدأت مئات العائلات من أهالي مدينة رأس العين، المقيمة في مدينة الحسكة منذ سنوات، العودة إلى مناطقها، في خطوة تمهّد لعودة مزيد من النازحين إلى منازلهم وقراهم، بعد نحو سبع سنوات قضوها بعيدًا عن مدينتهم وممتلكاتهم.

وانطلقت اليوم، الاثنين 10 من آب، الدفعة الأولى من العائدين إلى رأس العين، وضمت 410 عائلات، على أن تتبعها دفعات أخرى خلال الأيام المقبلة، ليصل عدد العائلات العائدة في المرحلة الحالية إلى نحو 610 عائلات، بحسب ما أفاد به مسؤولون عن تنظيم العودة.

وتأتي العملية بعد سنوات طويلة أمضتها عائلات من رأس العين في مخيمي “توينة” و”الطلائع” بأطراف مدينة الحسكة، منذ نزوحها إثر المعارك التي اندلعت في تشرين الأول 2019، وانتهت بسيطرة فصائل “الجيش الوطني” المدعوم من تركيا على المدينة ومناطق واسعة في ريفها.

سبع سنوات في المخيمات

بدأت العائلات الراغبة بالعودة، منذ الأحد، استعداداتها الأخيرة لمغادرة المخيمات، إذ أزالت خيامها، وجمعت الأمتعة والأثاث والأدوات المنزلية التي تمكنت من الاحتفاظ بها طوال سنوات النزوح، تمهيدًا للانتقال إلى رأس العين.

وتشكل العودة بالنسبة إلى هذه العائلات نهاية مرحلة طويلة من الإقامة في ظروف النزوح، لكنها في الوقت نفسه بداية مرحلة جديدة تتعلق بإعادة الاستقرار وترميم المنازل ومعالجة أوضاع الممتلكات التي بقيت خارج حيازة أصحابها خلال سنوات النزوح.

وقال العائدون الذين تحدثوا إلى عنب بلدي، إن سنوات النزوح تركت آثارًا واسعة على حياتهم، خصوصًا أن أطفالًا ولدوا أو أمضوا معظم طفولتهم داخل المخيمات، ولم تتشكل لديهم معرفة فعلية بالمدينة التي ينحدر منها آباؤهم.

وقال محمد الجاسم، أحد العائدين، لعنب بلدي، إن العائلات “بعد سنوات من المعاناة والنزوح تعود اليوم إلى ديارها”، معربًا عن أمله في أن تتم عملية العودة “بأمان وكرامة”.

وأضاف أن العودة بالنسبة إلى العائلات ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر، وإنما محاولة لاستعادة الحياة التي انقطعت بسبب النزوح، مشيرًا إلى أن كثيرًا من العائلات تنتظر الوصول إلى منازلها والاطمئنان إلى أوضاعها بعد سنوات من الغياب.

وتأتي مخاوف العائدين في وقت لا تزال فيه أوضاع بعض المنازل والأراضي غير محسومة، إذ قال الجاسم إن عددًا من المنازل والأراضي الزراعية لا يزال “مستولى عليه”، موضحًا أن الحكومة السورية وعدت بإخلائها وإعادتها إلى أصحابها.

وتشكل الممتلكات إحدى أبرز القضايا التي تواجه العائدين، إذ لا ترتبط العودة بتأمين الطريق والوصول إلى المدينة فقط، وإنما بقدرة الأسر على استعادة منازلها وأراضيها ومصادر رزقها، ولا سيما أن قسمًا من السكان يعتمد على الزراعة التي كانت تشكل مصدر دخل أساسيًا لهم قبل النزوح.

أطفال لم يعرفوا رأس العين

خلال السنوات السبع الماضية، نشأ قسم من أبناء العائلات النازحة داخل المخيمات، بعيدًا عن المدينة التي ينحدر منها آباؤهم.

وقال وائل عبد الحميد، من العائدين، لعنب بلدي، إن “أولادنا الصغار نشؤوا هنا منذ سبع سنوات، وفتحوا عيونهم على المخيمات ولا يعرفون عن مدينة رأس العين شيئًا”.

ويعكس ذلك أحد أبرز الآثار طويلة الأمد للنزوح، إذ تحولت سنوات الإقامة في المخيمات بالنسبة إلى الأطفال الذين كانوا في سن صغيرة عند خروج عائلاتهم من رأس العين إلى جزء أساسي من ذاكرتهم وحياتهم اليومية، بينما بقيت المدينة بالنسبة إلى بعضهم مكانًا سمعوا عنه من آبائهم أكثر مما عاشوا فيه.

وتأمل العائلات العائدة أن تسمح العودة بإعادة بناء حياة مستقرة لأطفالها، سواء من خلال العودة إلى المدارس في مناطقهم أو استئناف الحياة الأسرية والاجتماعية التي تعطلت خلال سنوات النزوح.

لكن الانتقال من المخيم إلى المدينة لا يعني انتهاء جميع آثار النزوح، إذ تواجه الأسر العائدة تحديات تتعلق بالسكن، وتأمين الخدمات، وإصلاح المنازل المتضررة، واستعادة الممتلكات، إضافة إلى إعادة بناء مصادر الدخل التي تضررت خلال سنوات الابتعاد عن المنطقة.

“حياة قاسية”

تحدثت شريفة محمد علي، وهي من العائدين، عن الظروف التي عاشتها العائلات خلال فترة النزوح، قائلة إن “حياة المخيمات قاسية”، وإنها لا تتمنى “لأي سوري أن يبقى في المخيمات، بل يعود جميع النازحين إلى ديارهم”.

وتعكس شهادتها رغبة واسعة لدى العائلات في إنهاء سنوات الإقامة في المخيمات، خصوصًا بالنسبة إلى الأسر التي أصبحت العودة إلى مناطقها ممكنة من الناحية الأمنية واللوجستية.

ولا تنظر العائلات إلى العودة باعتبارها خيارًا سهلًا بالضرورة، إذ إن بعضها يغادر مكانًا عاش فيه سنوات طويلة إلى منطقة لا يعرف الوضع فيها بشكل كامل، بينما ينتظر آخرون التأكد من إمكانية استعادة منازلهم وممتلكاتهم قبل اتخاذ قرار العودة.

ويقول العائدون إن مطلبهم الأساسي يتمثل في أن تتم العودة بصورة آمنة وكريمة، وأن تترافق مع معالجة أوضاع المنازل والأراضي التي لم تعد إلى أصحابها، بما يسمح للعائلات بإعادة تأسيس حياتها بدل الانتقال من حالة نزوح إلى أخرى.

عودة 610 عائلات على مراحل

وقال محمود جميل، الناطق باسم لجنة نازحي رأس العين، لعنب بلدي، إن اللجنة ترى في عودة العائلات “ثمرة” لسنوات من المطالبة بالعودة الآمنة والكريمة.

وأضاف أن لجنة النازحين طالبت خلال السنوات الماضية بتهيئة الظروف اللازمة لعودة السكان إلى مناطقهم، موضحًا أن العملية الحالية تجري بالتنسيق مع الفريق الرئاسي والقوات الموجودة في المنطقة، وأن التدابير اللوجستية والأمنية المتعلقة بالعودة جرى اتخاذها.

وقال جميل إن اللجنة “لن تترك نازحًا خارج منطقته”، مشيرًا إلى وجود خطة لتسيير قوافل أخرى خلال الفترة المقبلة، ومتوقعًا إنجاز عملية عودة أهالي رأس العين المقيمين في الحسكة خلال نحو شهرين.

وبحسب جميل، فإن أوضاع المنازل تختلف من منطقة إلى أخرى، إذ توجد بيوت “مدمرة كليًا أو جزئيًا”، بينما توجد منازل أخرى تقيم فيها عائلات حاليًا.

وأوضح أن الحكومة السورية تعهدت بإخلاء المنازل التي يشغلها سكان آخرون، تمهيدًا لعودة أصحابها إليها.

وتبرز هذه القضية كأحد الملفات الرئيسة التي سترافق عودة النازحين، إذ إن عودة العائلات إلى مناطقها تتطلب معالجة وضع الممتلكات قبل أن تتمكن الأسر من الاستقرار بصورة فعلية.

العودة ضمن ترتيبات أوسع في الحسكة

وتأتي عودة أهالي رأس العين في سياق تغيرات ميدانية وإدارية شهدتها محافظة الحسكة خلال عام 2026.

وشهد مطلع العام تغيرًا في خريطة السيطرة بالمحافظة، مع سيطرة الجيش السوري على الأرياف الجنوبية والشرقية وأجزاء من الأرياف الغربية، مقابل انكفاء قوات سوريا الديمقراطية “قسد” إلى المدن الكبرى، ومنها الحسكة والقامشلي.

وأدى ذلك إلى نشوء واقع جديد في المحافظة، تزامن مع اتفاق الحكومة السورية و”قسد” في 29 كانون الثاني، الذي نص على البدء بدمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية في المحافظة ضمن هياكل الدولة ووزاراتها.

وبدأت عملية الدمج بصورة تدريجية خلال شباط الماضي، وشملت إلى جانب الملفات العسكرية والأمنية والمؤسسات الخدمية ترتيبات مرتبطة بأوضاع السكان والنازحين.

وكان تسهيل عودة النازحين إلى مناطقهم أحد الملفات التي رافقت الترتيبات الجديدة، إذ نُقلت خلال الفترة الماضية ثماني دفعات من أهالي عفرين الذين كانوا يقيمون في الحسكة، في إطار ترتيبات لإعادة السكان إلى مناطقهم.

وخلال الأسابيع الماضية، تركزت الجهود كذلك على ملف أهالي رأس العين الموجودين في الحسكة، بالتوازي مع ترتيبات تتعلق بالسكان من الحسكة المقيمين في رأس العين.

وتحمل عودة عائلات رأس العين في هذا السياق طابعًا متبادلًا، إذ لا يقتصر الملف على عودة سكان رأس العين من الحسكة، وإنما يرتبط أيضًا بعودة سكان الحسكة المقيمين في رأس العين إلى مناطقهم، بما يفتح الباب أمام إعادة توزيع السكان على مناطقهم الأصلية بعد سنوات من النزوح.

بداية لعودة أوسع

وتعد الدفعة الحالية، التي تضم 410 عائلات، خطوة أولى ضمن عملية يفترض أن تشمل نحو 610 عائلات في المرحلة الراهنة، بحسب لجنة نازحي رأس العين.

وتتطلع اللجنة إلى توسيع العملية خلال الأسابيع المقبلة، في وقت تؤكد فيه العائلات التي بدأت العودة أن إنهاء النزوح لا يكتمل بمجرد الوصول إلى المدينة، وإنما يحتاج إلى تأمين السكن والخدمات واستعادة الممتلكات وتهيئة ظروف مناسبة لعودة الأطفال إلى التعليم والحياة الطبيعية.

وبالنسبة إلى العائدين، تمثل العودة بعد سبع سنوات اختبارًا جديدًا لقدرة العائلات على إعادة بناء حياتها في ظل ما خلفته سنوات الحرب والنزوح من أضرار وتغيرات.

ويقول محمد الجاسم إن العائلات تنتظر أن تكون العودة آمنة وكريمة، بينما يأمل وائل عبد الحميد أن يتمكن الأطفال الذين نشؤوا في المخيمات من التعرف إلى مدينتهم والعيش فيها، بدل أن تبقى رأس العين بالنسبة إليهم مجرد مكان ارتبط بذكريات آبائهم.

أما شريفة محمد علي، فترى أن إنهاء حياة المخيمات يمثل هدفًا يتجاوز عائلات رأس العين، معتبرة أن عودة النازحين إلى مناطقهم هي الحل الذي تنتظره الأسر التي أمضت سنوات خارج منازلها.

ومع بدء القافلة الأولى بالعودة، تنتقل عملية إعادة النازحين من مرحلة الترتيبات إلى التنفيذ الفعلي، بينما يبقى نجاحها مرتبطًا بمدى معالجة الملفات التي تراكمت خلال سنوات النزوح، وفي مقدمتها سلامة العائدين، وأوضاع المنازل والأراضي، وتأمين الخدمات، وضمان قدرة الأسر على استعادة حياتها ومصادر رزقها في مناطقها الأصلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى