التصعيد بين (قسد) والحكومة السورية الانتقالية: قراءة في المواقف والسيناريوهات المستقبلية

أولًا: المقدمة
شهدت مناطق عدّة في شمال سورية تصعيدًا متسارعًا، بين قوّات (قسد) والقوات التابعة للحكومة السورية، تجسَّد في سلسلة من التطورات الأمنية والعسكرية والسياسية، شملت إغلاق المعابر الحيوية والطرق، وحشد قوات على خطوط التماس بين الطرفَين، وحدوث اشتباكات شديدة في محاور ريف حلب الشرقي (دير حافر)، وداخل مدينة حلب.
وتكتسب هذه التطورات أهميّة شديدة، لأنها بمنزلة اختبار سياسي وعسكري بين الطرفَين، يعكس حالة التوازنات الإقليمية والدولية في المشهد السوري، فضلًا عن أنها تجري في ظروفٍ قد تجعل أي تصعيد كبير مدخلًا لتغييرات ميدانية واستراتيجية.
تهدف هذه الورقة إلى تحليل خلفيّات هذا التصعيد ودوافعه، وتبيين مواقف الأطراف الداخلية والموقف الأميركي والتركي منها، واستشراف السيناريوهات المحتملة لمساره، مع التركيز على الأبعاد السياسية والعسكرية والإقليمية التي تؤطّره.
ثانيًا: بدايات التصعيد وتطوراته
يأتي التصعيد في سياق مرحلة انتقالية حسّاسة، تشهدها سورية بعد سقوط نظام الأسد، حيث تسعى الحكومة الجديدة إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، وبسط سلطتها على كامل الجغرافيا السورية، في حين تسعى القوى المحلية، وفي مقدمتها (قسد)، إلى الحفاظ على مكتسباتها السياسية والعسكرية والإدارية التي راكمتها خلال السنوات الماضية.
شكّل اتفاق 10 آذار/ مارس نقطة تحوّل في العلاقة بين الطرفَين، إذ تمّ توقيع الاتفاق برعاية وضمانات إقليمية ودولية، وبمشاركة فاعلة من الولايات المتحدة وتركيا، وكان الاتفاق قد نصّ على دمج قوات (قسد) تدريجيًا ضمن الجيش الوطني السوري الجديد، وعلى عودة مؤسسات الدولة لمناطق سيطرة (قسد)، وتسليم حقول النفط والمعابر للحكومة المركزية، وحل المشاكل المتعلقة بحقوق الأكراد، وعودة المهجّرين وغيرها من التفاصيل[1].
وقد واجَه الاتفاق، رغم أهمّيته، تحديات كبيرة في مرحلة التنفيذ، حيث برزت داخل (قسد) تباينات في التوجهات، بين تيارات براغماتية تميل إلى القبول بالدمج بشروط سياسية واضحة، وأخرى أكثر تشدّدًا مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترفض أي مساس بهيكلها العسكري والإداري. وفي المقابل، تواجه الحكومة الانتقالية ضغوطًا مركّبة، من حلفائها الإقليميين (خاصة تركيا) الذين يرفضون أيّ ترتيبات قد تمنح (قسد) وضعًا مميزًا، ومن القوى المحلية والأهالي في تلك المناطق التي تطالب بالإسراع في بسط سلطة الدولة في الشمال الشرقي، ويضاف إلى ذلك ضرورة حسم هذا الملفّ، للانطلاق بعملية إعادة الإعمار وتحريك الاقتصاد.
وممّا زاد المشهدَ تعقيدًا الوضعُ الميداني والإداري في مناطق (قسد)؛ حيث تمتاز المنطقة بتنوّع سكاني واسع، وتضمّ بنًى أمنية وإدارية مستقلة نسبيًا، وفيها سجون ومخيمات تحتضن مقاتلين وعائلاتهم من تنظيم (داعش)، إضافة إلى الوجود الأميركي في الجزيرة السورية، وهو يمنح (قسد) هامشًا من الحماية، ويعقّد أي محاولة سريعة من قبل الإدارة السورية لبسط سيطرتها الكاملة.
ومن ثم، يمكن اعتبار التصعيد الأخير في محافظة حلب امتدادًا لتفاعلات سياسية وعسكرية تراكمت طوال أشهر، إذ تسعى (قسد) إلى ترسيخ سيطرتها الإدارية والأمنيّة على المناطق التي تسيطر عليها، بهدف تعزيز موقعها التفاوضي وكسب أوراق إضافية، في حين تبنّت الإدارة السورية مقاربة مزدوجة، تؤكد أولويةَ استعادة وحدة الأراضي السورية، وبسط سيادتها على كامل الجغرافيا، ومن ضمنها مناطق سيطرة (قسد)، وتشدد على ضرورة دمج القوات العسكرية القائمة ضمن بنية الجيش الوطني الجديد، ومن ناحية أخرى، تترك الباب مفتوحًا أمام المفاوضات، وتمنح فرصة لـ (قسد) لتطبيق الاتفاق، مدفوعةً بحسابات تتعلق بتجنّب فتح جبهات داخلية متعددة في مرحلة شديدة الحساسية، ولا سيما بعد أحداث الساحل السوري والسويداء، فضلًا عن مراعاتها المواقف الإقليمية والدولية.
هذا التباين في المواقف أدّى إلى استمرار تعثّر مسار تطبيق الاتفاق، وولادة مناخ من انعدام الثقة المتبادل، حيث اتهمت الإدارة السورية (قسد) بالمماطلة والتنصّل من التزاماتها، في حين اعتبرت (قسد) أن الإدارة السورية تحاول استغلال عملية الدمج لنزع سلاحها، من دون تقديم حلول سياسية حقيقية لقضايا الأكراد. ومع انقضاء بضعة أشهر من الاتفاق، وازدياد التنسيق السوري–التركي، تراجعت قدرة (قسد) على المناورة السياسية، وبدأت مرحلة جديدة تتسم بارتفاع منسوب التوتر الميداني والإعلامي، تجسدت في تحشيدات عسكرية متبادلة، حيث دفعت (قسد) بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى الجبهات في ريف حلب الشرقي، في دير حافر وسد تشرين، وبدأت اشتباكات في ريف حلب الشرقي ومحيط سدّ تشرين، مطلع تشرين الأول/ أكتوبر 2025.
ثم تجددت الاشتباكات على محور دير حافر بريف حلب الشرقي، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة، مساء الأحد 5 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، استُخدمت فيها الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيرة، وقصفت (قسد) قرى حميمة والكيطة والشويليخ، فردّت القوات التابعة للحكومة السورية باستهداف مصادر النيران بشكل مباشر، وسبق ذلك حدوث مجزرة في قرية (أم تينة) التابعة لدير حافر، قُتل فيها مدنيون بينهم أطفال ونساء، نتيجة لقصف (قسد) القرية. ثم انتقلت الاشتباكات إلى داخل مدينة حلب، ليلة 6 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، بين القوات التابعة لـ (قسد) الموجودة داخل حيي الشيخ مقصود والأشرفية (الأسايش)، والحواجز الأمنية التابعة للإدارة السورية المحيطة بالحيّين، واستهدفت (قسد) فيها الأحياء المدنية، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى. وبعد كلّ اشتباكات، تكون هناك اتهامات متبادلة، بين الطرفين، حول استهداف المدنيين، أو المسؤول عن بدء التصعيد وأسبابه.
وترافق التصعيد الميداني مع تصعيد سياسي وإعلامي، إذ كثّفت (قسد) خطابها العلني، لتأكيد جاهزيتها العسكرية، ورفضها لأي محاولة لفرض تغييرات ميدانية، في إطار حملة إعلامية تهدف إلى طمأنة قواعدها وإظهار قدرتها على المناورة السياسية[2]، ورفعت في خطابها سقف المطالب السياسية، مؤكدة أن دمج قواتها في مؤسسات الدولة يجب أن يترافق مع تفاهمات تضمن “اللامركزية”، وفقًا للشكل الذي تريده، وهو ما يُعدّ شكلًا من أشكال التصعيد غير العسكري، عبر رفع الشروط التفاوضية.
في المقابل، اتبعت الإدارة السورية خطابًا يجمع بين التحشيد الميداني والدعوة إلى تطبيق اتفاق آذار، مؤكدة تفضيلها الحلّ السياسي على المواجهة، مع الإشارة إلى أنها نجحت في إقناع تركيا بتأجيل أي عملية عسكرية لإعطاء فرصة للمفاوضات، واتّهمت أجنحةً داخل (قسد) بعرقلة تنفيذ اتفاق 10 آذار/ مارس المدعوم من الولايات المتحدة وتركيا[3]، وردّت على اتهامات (قسد) ببيانات عسكرية تتهمها بالخروقات ومحاولة جرّ الجيش السوري إلى مواجهة ميدانية، وبذلك، يتجلى في مواقف الطرفين مزيجٌ من رسائل الردع والضغط السياسي، وهو ما يعمّق حالة التوتر ويصعّب التوصّل إلى تسوية نهائية. ومن ثم عُدّ هذا التصعيد نتاجًا لمسار تراكمي من التفاعلات السياسية والعسكرية، في ظلّ توازنات محلية وإقليمية ودولية متداخلة.
ثالثًا: أسباب التصعيد
يعكس التصعيد الأخير تداخلًا معقّدًا بين اعتبارات ميدانية، وحسابات سياسية واستراتيجية بعيدة المدى، وضغوط إقليمية ودولية مؤثرة، ويمكن تحديد أهم أسباب التصعيد بما يلي:
- تعثر اتفاق آذار، وتآكل الثقة المتبادلة:
كان اتفاق 10 آذار/ مارس 2025 أوّل تفاهم سياسي–عسكري يحظى بدعم كلّ من الولايات المتحدة وتركيا معًا، غير أن التطبيق العملي للاتفاق واجه عراقيل نابعة من تباين الرؤى حول شكل الدولة السورية، ووظائف السلطة المركزية في المرحلة الانتقالية، وأدى ذلك إلى اتساع الهوّة بين الموقفين وتعطّل مسار التنفيذ، وولّد مناخًا من انعدام الثقة. وأمام هذا الاستعصاء، اتجه الطرفان إلى استخدام القوة أو التهديد بها كأداة تفاوضية، إذ لجأ الطرفان إلى إغلاق المعابر، والتحشيد العسكري، ثم بدأت (قسد) بقصف مدفعي وهجمات على المدنيين وعلى مواقع الجيش السوري في ريف حلب الشرقي وفي مدينة حلب، محاولةً إظهار قدرتها على الصمود والضغط في آنٍ واحد. ويعكس هذا التحوّل من التفاوض إلى التصعيد الميداني رغبة (قسد) في الانتقال من مرحلة “الاختبار السياسي”، إلى مرحلة “فرض الشروط” عبر أوراق القوة الميدانية.
- الدوافع الأمنية التركية والحسابات الإقليمية:
يُعدّ الموقف التركي أحدَ أبرز محددات التصعيد الراهن، إذ ترى أنقرة أنّ استمرار سيطرة (قسد) على مناطق واسعة من شمال وشرق سورية يشكّل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وقد لوّحت صراحة بدعم عملية عسكرية مشتركة مع القوات السورية، في حال فشل المسار التفاوضي، ورفعت مستوى التنسيق العسكري مع الإدارة السورية، وترى أن أي تأخير في دمج (قسد) يُعزز من قدرتها التفاوضية مستقبلًا، وربما يمهّد لنزعات انفصالية يصعب احتواؤها لاحقًا، لذلك تسعى تركيا إلى تسريع الحسم العسكري أو السياسي قبل نهاية العام، في ظل ظرف إقليمي مواتٍ (تفاهمات مع الإدارة السورية، إدارة أميركية أقل ضغطًا، غياب موانع دولية قوية).
وتدرك (قسد) من جانبها حساسية الموقف التركي، وتتبنى استراتيجيةً تقوم على تجنّب وقوع مواجهة مباشرة كبيرة، لكنها ترفع سقف خطابها السياسي لكسب الوقت والمناورة، وترى أنّ الإدارة السورية وتركيا قد تترددان في شن عملية عسكرية واسعة، إذا ما كان هناك مسار تفاوضي جاد، أو إذا تبدّلت المعطيات الإقليمية والدولية في المرحلة المقبلة.
- الانقسامات الداخلية داخل (قسد) وتباين الرؤى:
لا يمكن تحليل سلوك (قسد) في سياق التوترات الراهنة بمعزل عن بنيتها الداخلية المعقدة التي تتسم بتعدد المستويات التنظيمية وتنوّع المرجعيات السياسية والأيديولوجية لمكوناتها، فهذه القوات لا تمثّل كيانًا عسكريًا أو سياسيًا موحدًا بالمعنى التقليدي، بل تشكّل إطارًا ائتلافيًا يضمّ طيفًا من الفصائل والمجالس العسكرية ذات الخلفيات المتباينة، الأمر الذي انعكس بوضوح على تماسك القرار السياسي والعسكري داخلها، ويمكن في هذا السياق تمييز تيارين رئيسيين، يحددان إلى حد كبير اتجاهات (قسد) ومواقفها من التطورات الميدانية والسياسية.
يمثل التيار الأول (البراغماتي) شريحة من القيادات العسكرية والسياسية، لا سيّما في المجالس المحلية العربية، في مناطق مثل الرقة ودير الزور، التي تضع في أولوياتها الحفاظَ على المكتسبات الإدارية والأمنية التي حققتها (قسد) ، وتجنّبَ الانخراط في مواجهة عسكرية مفتوحة مع الحكومة السورية الانتقالية أو تركيا لكيلا تخسر هذه المكاسب، ويتبنى هذا التيار مقاربة براغماتية للتعاطي مع الضغوط الإقليمية والدولية، تقوم على القبول بتسويات مرحلية مرنة، تشمل الانخراط التدريجي في مسار الاندماج مع مؤسسات الدولة السورية، مقابل ضمانات سياسية محددة، وقد ظهر هذا التوجه خلال المفاوضات التي تلت اتفاق 10 آذار/ مارس، حيث دفعت بعض هذه القيادات نحو صياغة ترتيبات واقعية، تضمن استمرار نفوذها المحلي في إطار ترتيبات أمنية وإدارية جديدة.
أما التيار الثاني (المتشدّد)، فهو يرتبط عقائديًا وتنظيميًا بحزب العمال الكردستاني (PKK)، ويُظهر موقفًا أكثر تصلبًا في مواجهة أي ترتيبات قد تؤدي إلى تقليص نفوذه السياسي والعسكري، ويتركز هذا التيار في القيادة الكردية العليا، لا سيما في القامشلي وعين العرب (كوباني)، وهو يعدّ أي عملية اندماج مع الدولة السورية تهديدًا وجوديًا للمشروع السياسي الذي سعت (قسد) إلى ترسيخه خلال العقد الماضي. ويتسم هذا التيار بنزعة تصعيدية واضحة، سواء على المستوى الميداني أو الإعلامي، إذ يتّخذ العمليات العسكرية المحدودة، ورفع سقف الخطاب السياسي، أدوات لإرسال رسائل ردع ولفرض شروطه على الأطراف الأخرى. وقد تجلى ذلك، على سبيل المثال، في العمليات المدفعية التي وقعت في ريف حلب الشرقي، في أيلول/ سبتمبر 2024، حيث ظهرت بصمات هذا الجناح، وجاءت في سياق رفضه الضمني لأي محاولات لإعادة هيكلة الوضع العسكري في شمال وشرق سورية.
ويُلاحظ أن هذه الانقسامات لا تقتصر على المستوى النظري أو السياسي، بل تنعكس عمليًا على الأداء الميداني لـ (قسد)، وعلى تماسكها الداخلي، فقد كشفت أزمة مجلس دير الزور العسكري، في آب/ أغسطس 2023، عن هشاشة البنية التنظيمية لـ (قسد)، إذ اندلعت مواجهات بين قوات المجلس المحلي ووحدات كردية، على إثر تمرّد محلي على قرارات القيادة المركزية، ما أدى إلى تصدّعات في العلاقة بين الطرفين، وظهور تباين الأولويات بين المكونات العربية والكردية. وينعكس هذا الانقسام أيضًا في الخطاب الإعلامي المتباين؛ حيث يميل الجناح المتشدد إلى تبني خطاب مرتفع السقف، يركز على “الخصوصية السياسية والإدارية” لمناطق سيطرة (قسد)، ورفض العودة إلى المركزية، في حين يتبنّى التيار البراغماتي لغةً أكثر هدوءًا تدعو إلى الحلول السورية الداخلية والتفاهمات التدريجية.
وتفسّر هذه الانقسامات البنيوية والأيديولوجية والمناطقية حالة التذبذب في مواقف (قسد) وسلوكها التصعيدي المتقطع، فبينما يسعى التيار المتشدد إلى ترسيخ معادلات ردع تحفظ نفوذه، يعمل التيار البراغماتي على موازنة هذه التوجهات مع ضرورات الواقعية السياسية، بما يقلل من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة شاملة لا تملك (قسد) مقومات كسبها.
- التصعيد كأداة اختبار للإرادة والقدرة السياسية:
تحوّل التصعيد إلى أداة اختبار متبادل للإرادة السياسية، ومقياس للقدرة الميدانية بين الطرفين، فمن جانبها، سعت دمشق إلى اختبار مدى استعداد (قسد) لتقديم تنازلات جوهرية، في ظل تضاؤل هامش المناورة لديها، وتزايد الضغوط الإقليمية، وذلك عبر رفع مستوى التحركات العسكرية في مناطق التماس، في حين حاولت (قسد) اختبار حدود التحرك العسكري السوري–التركي، ومدى جدية المجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة في التدخل لضبط إيقاع الصراع. وتُفسّر عملية “جسّ النبض” المتبادل الطابعَ التصاعدي والمركّز للتوترات في مناطق حساسة واستراتيجية، مثل ريف حلب الشرقي ومدينة حلب، التي تمثّل نقاط تماس مركزية في ميزان القوى بين الطرفين، فالتصعيد الحالي ليس وليد لحظة، بل هو نتاج تفاعل معقد، وكل طرف يرى في هذه المرحلة مفصلًا حاسمًا لتثبيت مكاسبه أو لتجنّب خسائر استراتيجية قبل نهاية العام، ما يجعل من التصعيد الراهن أقرب إلى “معركة إرادات” منه إلى مواجهة شاملة حتى الآن.
رابعًا: الموقف التركي والأميركي
عبّرت تركيا عن موقف حازم تجاه (قسد)، مؤكدة دعمها لأي تحركات عسكرية أو سياسية تستهدفها، ولوّحت بالتدخل المباشر، إذا فشلت جهود دمجها في مؤسسات الدولة السورية، فقد وصفت وزارة الدفاع التركية (قسد) بأنها “تهديد للسلام والاستقرار الإقليمي”، معتبرة أن الهجمات الأخيرة في ريف حلب دليل على عدم التزامها باتفاق 10 آذار/ مارس، وأكد مسؤولون أتراك أن أنقرة تراقب الوضع عن كثب. وخلال لقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، منتصف أيلول/ سبتمبر في الدوحة، شدّد أردوغان على وحدة الأراضي السورية، وعلى ضرورة التزام (قسد) الكامل بالاتفاق. وصعّد وزير الدفاع يشار غولر خطابه، مطالبًا (قسد) بترك السلاح ووقف نشاطها “الإرهابي” في سورية والمنطقة، مؤكّدًا أن تركيا لن تسمح بترسخ أي كيان معادٍ على حدودها.
وتشير تقارير عدة إلى أن أنقرة بدأت تفقد صبرها إزاء ما تعدّه مماطلة من (قسد)، وأنها أبلغت دمشق استعدادها لدعم عمل عسكري قبل نهاية العام، إذا تعثرت عملية الدمج. ويعكس هذا الموقف تطابقًا في الرؤية التركية–السورية تجاه (قسد)، مدفوعًا بهواجس أمنية ورغبة تركية في حسم الملف، قبل أن تتمكن الأخيرة من تثبيت مكاسب سياسية أو عسكرية إضافية.
أما الموقف الأميركي، فقد اتّسم قبل التصعيد الأخير بالحذر والترقّب، إذ لم تصدر مواقف أميركية حازمة باستثناء دعوات عامة إلى التركيز على محاربة تنظيم (داعش)، وتجنّب الانزلاق إلى صراعات جانبية. ويُفهم من هذا الموقف أن الولايات المتحدة توحي بأنها تراقب التطورات من دون تدخّل مباشر، نظرًا لعلاقتها المعقّدة مع (قسد) من جهة، وتفاهماتها مع الإدارة السورية وتركيا من جهة أخرى. ويرى البعض أن أميركا لم تمارس ضغطًا كافيًا لدفع (قسد) نحو الالتزام باتفاق الاندماج[4]، حفاظًا على صورتها أمام حلفائها الأكراد. ومع ذلك، تخشى الإدارة الأميركية من أن يؤدي أي تصعيد واسع إلى إضعاف قبضة (قسد) الأمنية على مخيمات وسجون (داعش)، ويبدو أن إدارة الرئيس ترامب أقلّ حماسًا للضغط على تركيا، في ضوء علاقات سياسية خاصة بين الطرفين. وبشكل عام، يسعى الموقف الأميركي إلى الموازنة بين عدم التصادم مع تركيا، والاستمرار في دعم (قسد)، وهذا ما يجعله يميل إلى تشجيع التهدئة المؤقتة والحلول التفاوضية، إلى حين التوصل إلى ترتيبات نهائية يمكن أن ترضي مختلف الأطراف، وممّا يؤكد ذلك أنّ توم باراك زار مناطق سيطرة (قسد) والتقى بقياداتها، في أثناء التحشيدات العسكرية الأخيرة للطرفين، وأنّه توسّط، مع التصعيد في مدينة حلب، لعقد اجتماع بين قيادات (قسد) والإدارة السورية، يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، وانتهت مساعيه بالاتفاق على وقف إطلاق النار، والعودة إلى المسار التفاوضي.
خامسًا: السيناريوهات المحتملة
انطلاقًا من تحليل مواقف ودوافع الأطراف الفاعلة، يمكن تحديد مجموعة من السيناريوهات المحتملة لمسار التصعيد بين (قسد) والحكومة السورية الانتقالية، تختلف في مدى احتمال تحققها وتأثيرها في الترتيبات الأمنية والسياسية في شمال سورية. وفي ضوء التفاعلات السياسية والعسكرية الراهنة، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات:
- سيناريو الاحتواء والتهدئة المشروطة (العودة إلى طاولة التفاوض)
يُرجّح هذا السيناريو نجاحُ الضغوط الدبلوماسية في فرملة الانزلاق نحو الحرب، من خلال تفاهمات غير معلنة برعاية أطراف دولية وإقليمية، خصوصًا الولايات المتحدة التي تملك نفوذًا على كل الأطراف، وقد تسعى إلى هندسة تسوية مرحلية تُبقي التوتر تحت السيطرة، وتعيد فتح قنوات التفاوض حول عملية الدمج والترتيبات الإدارية المستقبلية. وفي هذا الإطار، يمكن تصوّر اتفاق تهدئة جديد غير معلن، يشمل وقف العمليات العسكرية، وإعادة فتح الطرق والمعابر المغلقة، واستئناف اجتماعات اللجان التفاوضية بين الحكومة السورية و(قسد)، بوساطة أميركية. وقد تقبل الإدارة السورية تمديد مهلة الاندماج لما بعد نهاية العام، مقابل أن تقوم (قسد) بخطوات “حسن نية”، مثل تسليم جزء من حقول النفط، أو دمج وحدات رمزية من مقاتليها ضمن الجيش الجديد كبداية تدريجية، أو السماح للمهجّرين من مناطقها بالعودة إلى بيوتهم.
ويتناسب هذا السيناريو مع مصالح الأطراف الرئيسة؛ حيث تتجنّب فيه (قسد) حدوثمواجهة عسكرية قد تضعفها، وتحافظ على هامش تفاوضي. وتؤجّل الحكومة السورية الحسم العسكري، من دون التنازل عن الهدف الاستراتيجي بدمج (قسد) مستقبلًا. وتُبقي تركيا الضغط قائمًا من دون الدخول في حرب مكلفة. وتضمن أميركا الاستقرار النسبي، من دون تصعيد مباشر. إلا أنّ هشاشة الثقة بين الأطراف قد تجعل هذا السيناريو عرضةً للانتكاس، في حال عدم التزام أحد الأطراف، أو بروز أحداث ميدانية مفاجئة قد تُفجّر الوضع من جديد.
- سيناريو الحفاظ على الوضع الراهن (تصعيد عسكري محدود ومحسوب)
يتمثل هذا السيناريو في استمرار حالة “اللا حرب واللا سلم” لفترة زمنية أخرى، مع بقاء خطوط التماس مشتعلة بشكل متقطع، من خلال اشتباكات محدودة، وقصف متبادل، وإغلاق متكرر للمعابر، من دون أن يتطور الوضع إلى مفاوضات جدية أو حرب شاملة، وقد يكون هذا السيناريو ناتجًا عن قرار ضمني من القوى الدولية والإقليمية بتجميد الملفّ مؤقتًا، بانتظار التطورات المستقبلية. وفي هذه الحالة، يستمر الطرفان في اختبار حدود بعضهما البعض، من دون تجاوز خطوط حمراء متفق عليها ضمنيًا، ويظلّ المدنيون تحت وطأة الأوضاع الإنسانية الصعبة، وانعدام الأمن، وإغلاق الطرق. وهذا السيناريو يحقق نوعًا من “الاستقرار السلبي” الذي لا يحسم المشكلة البنيوية، بل يؤجلها، لكنه قد يكون الأكثر احتمالًا على المدى القصير، نظرًا لتعقيد المشهد وتعدد الفاعلين وتشابك مصالحهم.
- سيناريو انهيار التفاهمات، والانزلاق إلى صدام واسع
يُعَدّ هذا السيناريو الأكثر خطورة، لكونه يتمثّل في انزلاق الوضع إلى مواجهة عسكرية واسعة النطاق بين الطرفين، إذا ما استمرّت وتيرة التصعيد الحالية، وفشلت الجهود الدبلوماسية في احتوائها؛ حيث تشير المعطيات الميدانية إلى احتمال حدوث تصعيد خطر، (حشود عسكرية كبيرة، إغلاق معابر، استخدام الطائرات المسيرة والمدفعية الثقيلة، اشتباكات في محاور استراتيجية مثل ريف حلب الشرقي ومدينة حلب). وقد نشهد عملية عسكرية مشتركة بين الجيش السوري وتركيا، تستهدف مناطق سيطرة (قسد)، تبدأ بضربات جوية مركّزة تركية على مقارّ القيادة والمخازن الاستراتيجية، يتبعها هجوم بري متعدد المحاور من قبل القوات السورية. وعلى الرغم من أن (قسد) تمتلك خبرة ميدانية وقدرات دفاعية، فإن موازين القوة (الجوية واللوجستية)، وموقف المجتمع المحلي، تميل بوضوح لصالح الحكومة السورية، ما يجعل خسارة (قسد) مساحات جغرافية واسعة واردًا، في حال اندلاع مواجهة شاملة.
لكن هذا السيناريو محفوف بمخاطر كبيرة، على جميع الأطراف؛ فالحكومة السورية تخشى حدوث استنزاف عسكري يعرقل جهود تثبيت سلطتها وتحسين صورتها أمام العالم، وتركيا لا ترغب في المجازفة بدخول معركة قد يصعب حسمها، في ظل الأوضاع الاقتصادية التي تمرّ بها، و(قسد) تدرك أن معركة مفتوحة قد تكون وجودية بالنسبة إليها، ويضاف إلى ذلك أنّ الولايات المتحدة قد تتدخل، دبلوماسيًا أو ميدانيًا، لمنع انفجار شامل قد يهدد ترتيبات مكافحة الإرهاب أو التوازنات الإقليمية. ولذلك، يبقى هذا السيناريو منوطًا بفشل كامل المسارات السياسية والوساطات الدولية، بالرغم من جدّية المؤشرات التصعيدية.
من خلال تحليل الاتجاهات الراهنة، يبدو أن سيناريو الاحتواء والتهدئة المشروطة هو الأكثر توافقًا مع مصالح معظم الأطراف، في المدى القصير، ولا سيما إذا تكثفت الاتصالات الدولية، ونجحت الضغوط الأميركية في دفع (قسد) إلى إبداء مرونة تكتيكية، مقابل ضمانات محدودة. أما سيناريو المواجهة العسكرية الشاملة، فهو ممكن من حيث التحضيرات الميدانية والدوافع السياسية، إلا أنه يظل أكثر الخيارات كلفة وتبعات، ويحتاج إلى قرار استراتيجي صعب من الأطراف، في حين إن سيناريو الوضع الراهن قد يشكل مخرجًا مؤقتًا، لكنه لا يحلّ التناقضات الأساسية، وقد يُمهّد لانفجار مؤجّل، إذا لم تُعالج جذور الخلاف.
سادسًا: الخاتمة
شكّل التصعيد الراهن بين (قسد) والإدارة السورية اختبارًا حاسمًا لبنية الترتيبات الأمنية والسياسية في شمال سورية، فهو لا يعكس خلافًا ميدانيًا محدودًا فحسب، بل يُعبّر عن صراع أعمق حول طبيعة الدولة السورية المقبلة، وحدود السلطة المركزية، ودور القوى الإقليمية والدولية في إعادة تشكيل المشهد، ولذلك فإن استمرار هذا التصعيد، من دون مقاربة سياسية شاملة، من شأنه أن يُنتج وقائع ميدانية يصعب تعديلها لاحقًا، وقد يفتح الباب أمام تدخلات خارجية أوسع أو مواجهات عسكرية كبيرة الكلفة.
في ضوء ذلك، يتطلب الموقف الراهن من الحكومة السورية الانتقالية انتهاج سياسة تقوم على التمسك بمبدأ وحدة الدولة وبسط سلطتها تدريجيًا، مع الانفتاح على ترتيبات تفاوضية مرحلية، تتيح إدماج قوات (قسد) ضمن المنظومة الوطنية على مراحل واضحة ومحددة زمنيًا، كما يتطلب من (قسد) إدراك محدودية هامش المناورة في السياق الإقليمي والدولي الحالي، والتعامل بواقعية سياسية تضمن لها موقعًا تفاوضيًا مستدامًا، بدلًا من الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.
ومن ثم، نجد أن إعادة تنشيط مسار التهدئة السياسية والمفاوضات، تحت رعاية دولية متوازنة، تمثّل خيارًا واقعيًا لتفادي السيناريوهات الصدامية، مع ضرورة إشراك المكونات المحلية في أي تسوية مستقبلية، لضمان استدامتها وشرعيتها السياسية.
[1] نص الاتفاق بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، الجزيرة، 10 آذار/ مارس 2025، شوهد في 10 أيلول/ سبتمبر 2025، على الرابط: https://bit.ly/4h2TYut
[2]تصعيد في شمال سوريا: تعزيزات عسكرية تركية وسورية وسط تهديدات متبادلة، yallasyrianews، 29 أيلول/ سبتمبر 2025، شوهد في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، في الرابط: https://bit.ly/3IXtKx0
[3] صحيفة تركية: الشرع يلمح إلى عمل عسكري ضد “قسد” إذا لم يحصل الاندماج، العربي الجديد، 20 أيلول/ سبتمبر 2025، شوهد بتاريخ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، في الرابط: https://bit.ly/42viKO9
[4] أنقرة تهدد بالتصعيد ومعركة تلوح بالأفق في شمال شرق سوريا، الجزيرة، 21 أيلول/ سبتمبر 2025، شوهد بتاريخ 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 على الرابط: https://bit.ly/47eR82g



