الحسكة وعين العرب.. هدوء بعد توتر إثر عودة نازحين إلى رأس العين

تحولت عودة مئات العائلات من مدينة الحسكة إلى رأس العين، الاثنين 10 من آب، إلى توتر امتد من المدينة إلى مناطق عدة في محافظة الحسكة، ووصل مساء اليوم نفسه إلى مدينة عين العرب (كوباني) بريف حلب الشرقي.
وبدأت التطورات بعد اعتداءات طالت عددًا من العائلات العائدة إلى رأس العين، قبل أن تشهد الحسكة والقامشلي وعامودا والدرباسية وتل تمر ومعبدة احتجاجات وقطعًا للطرق، تخللها اقتحام مقار للأمن الداخلي والاعتداء على ممتلكات عامة وخاصة.
وانتهت التطورات، الثلاثاء 11 من آب، بإعلان السلطات المحلية اتخاذ إجراءات قانونية بحق عدد من المتورطين، بينما أعلنت قيادة الأمن الداخلي في حلب عودة الهدوء إلى عين العرب بعد انتشار قواتها في المدينة.
اعتداءات خلال عودة العائلات
بدأت عودة أهالي رأس العين من مدينة الحسكة صباح الاثنين، ضمن الدفعة الأولى من العائدين إلى المدينة وريفها، بعد سنوات من النزوح.
وضمت الدفعة الأولى 410 عائلات، على أن تتبعها دفعات أخرى، ليصل العدد في المرحلة الحالية إلى نحو 610 عائلات، بحسب مسؤولين عن تنظيم العودة.
وكانت العائلات قد نزحت من رأس العين إثر المعارك التي اندلعت في تشرين الأول 2019، وانتهت بسيطرة فصائل “الجيش الوطني” المدعوم من تركيا على المدينة ومناطق واسعة من ريفها.
وأقامت عائلات من رأس العين خلال سنوات النزوح في مخيمي “توينة” و”الطلائع” على أطراف مدينة الحسكة، قبل بدء ترتيبات إعادتها إلى مناطقها.
لكن عودة الدفعة الأولى شهدت توترًا في رأس العين بعد اعتداءات طالت عددًا من العائلات العائدة.
وقالت قيادة الأمن الداخلي في الحسكة إن وحداتها تدخلت لفض مشاجرة في المدينة، بعد عودة عائلات إلى منازلها “دون تنسيق مسبق”، ما أدى إلى خلاف مع القاطنين الحاليين فيها.
ونفت القيادة صحة الأنباء المتداولة عن تدخل عائلات مهجرة من غويران أو الحسكة لمنع العائدين من دخول منازلهم.
وقال نائب مدير قوى الأمن الداخلي في الحسكة، محمود خليل علي، إن القوى الأمنية أوقفت عددًا من المتورطين في الاعتداءات والأعمال التخريبية التي استهدفت الأهالي العائدين.
وأشار خليل إلى تعليق رحلات العودة إلى رأس العين مؤقتًا، كإجراء احترازي لضمان سلامة العائلات، على أن تستأنف الرحلات بعد استتباب الأوضاع وتوفير الحماية اللازمة للعائدين.
الناشط الإعلامي محمد الأحمد، اعتبر في حديث لعنب بلدي، أن الاعتداء على المدنيين، وخاصة النازحين العائدين إلى مناطقهم، “مدان”، وأن ما حدث في رأس العين أظهر أن التحضيرات لعودة النازحين لم تكن كافية.
وذكر الأحمد أن الدفعة الأولى من العائدين لم يجرِ تمهيد البيئة المحيطة بها بالشكل الكافي، مشيرًا إلى أن العودة بعد سنوات من النزوح تحتاج إلى تحضير مسبق لتجنب وقوع احتكاكات بين العائدين والسكان الموجودين في المنطقة.
وتحدث عن حساسية الوضع في رأس العين، في ظل وجود نازحين من الحسكة في المدينة، بالتزامن مع عودة عائلات رأس العين إليها بعد سنوات من النزوح.
الممتلكات والعائدون
الناشط الاجتماعي علي قدور، رأى في حديث لعنب بلدي، أن الاعتداء على العائدين مرفوض، لكنه يشير إلى أن ردة الفعل على أحداث رأس العين كانت عنيفة، وانتقلت إلى الاعتداء على مقار حكومية في الحسكة والقامشلي.
واعتبر قدور أن هذه المقار تمثل مؤسسات للدولة، وهي مؤسسات عامة يستفيد منها السكان في بسط الأمن وتأمين الخدمات، وبالتالي فإن الاعتداء عليها لا يخدم معالجة المشكلة التي بدأت في رأس العين.
وربط قدور جانبًا من التوتر بملف منازل وأراضي النازحين العائدين، مشيرًا إلى أن بعض منازل وأراضي العائدين ما تزال مستولى عليها، وأن هذا الملف لم يُحل قبل بدء عودة الدفعة الأولى.
وتابع، أن عدم معالجة هذه الملفات ساهم في تفجر الإشكال، وأن عودة النازحين تحتاج إلى معالجة القضايا المتعلقة بممتلكاتهم قبل وصول دفعات جديدة.
الاحتجاجات تمتد في الحسكة
بعد أحداث رأس العين، امتدت الاحتجاجات إلى مدن وبلدات عدة في محافظة الحسكة.
وشهدت الحسكة والقامشلي وعامودا والدرباسية وتل تمر ومعبدة احتجاجات وقطعًا لطرق رئيسة، بينما نظم محتجون وقفة أمام مبنى محافظة الحسكة.
وفي الحسكة والقامشلي، اقتحمت مجموعات مقار للأمن الداخلي، وأنزلت العلم السوري من فوق بعض المباني ورفعت أعلامًا كردية.
وشهدت بعض شوارع القامشلي تحطيم سيارات وممتلكات، بينما قطعت طرق في الحسكة والقامشلي وتل تمر ومعبدة.
وقالت مديرية إعلام الحسكة إن مجموعات وصفتها بأنها “خارجة عن القانون” اعتدت على عدد من مقار الأمن الداخلي في الحسكة والقامشلي.
وأضافت أن مجموعات في مدينة الحسكة أنزلت علم الجمهورية العربية السورية من أحد مقار الأمن الداخلي واعتدت عليه، بينما هاجمت مجموعات أخرى عناصر الأمن في أحد المقار بمدينة القامشلي، ما أدى إلى تكسير عدد من آليات الأمن الداخلي.
وعززت قوى الأمن الداخلي انتشارها في عدد من النقاط في المدينتين بهدف احتواء التوتر وضبط الوضع الأمني وحماية المواطنين والممتلكات العامة والخاصة.
وفي مساء الاثنين، اتسعت الأحداث، إذ أجبرت عناصر من “الشبيبة الثورية” التابعة لـ”قسد” أصحاب محال تجارية في سوق الحسكة على الإغلاق، بحسب مراسل “عنب بلدي”.
كما أغلقت القوى الأمنية طريق مطار القامشلي بالسواتر الترابية، في حين قطع محتجون في تل تمر الطريق الدولي (M4) باستخدام الإطارات المشتعلة.
وبقيت مدن الحسكة والقامشلي ورأس العين في حالة توتر خلال ساعات المساء، بالتزامن مع انتشار أمني في عدد من المناطق.
الناشط محمد الأحمد، رأى أن انتقال الاحتجاجات من رأس العين إلى مدن وبلدات أخرى في المحافظة يفرض التعامل مع ملف العودة بحذر أكبر، خاصة أن الأحداث بدأت بخلاف مرتبط بعودة العائلات إلى مناطقها ثم تحولت إلى احتجاجات وأعمال استهدفت مؤسسات وممتلكات.
وذكر أن معالجة ملف العودة تحتاج إلى تمهيد للبيئة المحلية قبل وصول العائلات، لتقليل فرص الاحتكاك وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم دون أن تتحول العملية إلى مصدر توتر جديد.
الأحداث تصل إلى عين العرب
مساء الاثنين، انتقلت الاحتجاجات إلى مدينة عين العرب (كوباني) بريف حلب الشرقي.
وأفاد مراسل “عنب بلدي” بأن محتجين اقتحموا إدارة المنطقة ومقر الأمن الداخلي في المدينة، وأنزلوا الأعلام السورية من فوق المباني التي جرى اقتحامها.
وأعلنت قيادة الأمن الداخلي في حلب، الثلاثاء 11 من آب، عودة الهدوء إلى عين العرب بعد انتهاء العمليات الأمنية، عقب اعتداء عدد من الأشخاص على مقار حكومية في المنطقة.
وقالت القيادة إن دخول قواتها إلى المدينة جاء لمنع الفوضى والحفاظ على الأمن والاستقرار، إلى جانب حماية الأهالي وتأمين المؤسسات والمرافق العامة.
وأعلنت إصابة 19 عنصرًا من قوى الأمن خلال أداء مهامهم، وإلقاء القبض على سبعة أشخاص من المتسببين بالأحداث لاستكمال الإجراءات القانونية بحقهم.
وكانت قوى الأمن الداخلي انتشرت في المدينة بعد انتهاء العمليات الأمنية وحظر التجول الذي فُرض عقب الاعتداء، بهدف الحفاظ على الاستقرار، بحسب الإخبارية السورية.
ونقلت مديرية إعلام حلب عن قائد الأمن الداخلي في المحافظة، العقيد محمد عبد الغني، قوله إن “علم الدولة السورية ومؤسساتها خط أحمر”، وإن القوى الأمنية ستلاحق كل من اعتدى على مؤسسات الدولة السورية وفق القانون.
إجراءات بحق مثيري الشغب
في محافظة الحسكة، أعلن نائب المحافظ أحمد الهلالي، الثلاثاء 11 من آب، بدء الجهات المختصة باتخاذ الإجراءات القانونية بحق مثيري الشغب، مشيرًا إلى توقيف عدد منهم في مناطق عدة.
وقال الهلالي إن السلطات لن تتساهل مع من يحاول إشعال الفتنة أو تهديد السلم الأهلي، مدينًا أعمال الشغب والاعتداءات.
وأضاف أنه لا يجوز أن تتحول مخاوف السكان أو خلافاتهم إلى اعتداء على الممتلكات، وخاصة مؤسسات الدولة ورموزها وعلمها.
وأكد أن الدولة موجودة ومؤسساتها مستمرة في العمل، وأن تعزيز حضورها وتفعيل مؤسساتها وترسيخ سيادة القانون سيستمر.
وفي ما يتعلق بعودة النازحين، قال الهلالي إن حق العودة إلى الأرض والبيت حق أصيل تكفله الدولة لكل مواطن سوري، وإن العودة يجب أن تكون “آمنة وكريمة”، بعيدًا عن الفوضى أو التمييز أو الإقصاء.
وأشار إلى تأمين عودة أكثر من 400 عائلة إلى ريف رأس العين، بالتوازي مع إزالة الألغام ومخلفات الحرب وفتح الطرق الرئيسة، مضيفًا أن عمليات المسح والتنظيف مستمرة في عدد من المناطق لتأمين عودة المزيد من الأهالي.
عودة ضمن ترتيبات أوسع
تأتي عودة أهالي رأس العين في سياق تغيرات ميدانية وإدارية شهدتها محافظة الحسكة خلال عام 2026.
وشهد مطلع العام تغيرًا في خريطة السيطرة بالمحافظة، مع سيطرة الجيش السوري على الأرياف الجنوبية والشرقية وأجزاء من الأرياف الغربية، مقابل انكفاء “قسد” إلى المدن الكبرى، ومنها الحسكة والقامشلي.
وتزامن ذلك مع اتفاق الحكومة السورية و”قسد” في 29 كانون الثاني، الذي نص على البدء بدمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية في المحافظة ضمن هياكل الدولة ووزاراتها.
وبدأت عملية الدمج بصورة تدريجية خلال شباط، وشملت ملفات عسكرية وأمنية وخدمية، إلى جانب ترتيبات مرتبطة بأوضاع السكان والنازحين.
وكانت عودة النازحين إلى مناطقهم أحد الملفات التي رافقت هذه الترتيبات، إذ نُقلت خلال الفترة الماضية ثماني دفعات من أهالي عفرين الذين كانوا يقيمون في الحسكة، ضمن ترتيبات لإعادتهم إلى مناطقهم.
وخلال الأسابيع الماضية، تركزت الجهود على ملف أهالي رأس العين الموجودين في الحسكة، بالتوازي مع ترتيبات تتعلق بالسكان من الحسكة المقيمين في رأس العين.
ولا تقتصر عملية العودة في هذا السياق على أهالي رأس العين المقيمين في الحسكة، وإنما ترتبط أيضًا بعودة سكان الحسكة الموجودين في رأس العين إلى مناطقهم، بما يجعل العملية مرتبطة بحركة عودة متبادلة للسكان بعد سنوات من النزوح.
وتضع أحداث الاثنين عملية العودة أمام تحديات تتعلق بسلامة العائدين، وحسم قضايا المنازل والأراضي، وتنظيم العلاقة بين العائدين والسكان الموجودين في مناطق العودة.
وبحسب الناشط الأحمد، فإن عدم كفاية التحضير للدفعة الأولى كان أحد العوامل التي ظهرت مع بدء العودة، ما يستدعي، من وجهة نظره، تمهيدًا أكبر للبيئة المحلية قبل استئناف العملية.
أما الناشط قدور، فرأى أن معالجة ملف الممتلكات إلى جانب حماية المؤسسات العامة ضرورية لتجنب اتساع الخلافات، معتبرًا أن بقاء بعض منازل وأراضي العائدين من دون معالجة ساهم في تفجر الإشكال.
وبعد يوم من التوتر، بدأت السلطات إجراءات قانونية بحق المشاركين في أعمال الشغب، بينما عادت الهدوء إلى عين العرب، مع استمرار الإجراءات الأمنية في الحسكة.
وتبقى عودة العائلات إلى رأس العين مرتبطة باستكمال الإجراءات الأمنية وإزالة مخلفات الحرب، إلى جانب معالجة الملفات المتعلقة بمنازل وأراضي العائدين، في وقت تسعى فيه السلطات إلى استمرار عملية العودة بعد تعليقها مؤقتًا على خلفية أحداث الاثنين.