تنسيق سوري- لبناني يربك شبكات تهريب السلاح

بدأت العمليات السورية اللبنانية لضبط تهريب الأسلحة على الحدود تؤتي ثمارها أخيرًا، وسط مساعي الطرفين لتعزيز التنسيق في عدد من القضايا وفي مقدمتها التهديدات الأمنية.
وأعلن الجانبان عن إحباط ثلاث عمليات ترهيب أسلحة باتجاه لبنان خلال أقل من شهر، اثنتان منهما على يد القوات السورية وواحدة من قبل الجهات الأمنية اللبنانية.
عمليتان سوريتان
وكانت وزارة الداخلية السورية أعلنت عن إحباط عمليتي تهريب أسلحة إلى لبنان خلال أقل من شهر.
وقالت الوزارة، في 16 من تموز الماضي، إنها أحبطت محاولة تهريب شحنة كبيرة من الأسلحة النوعية عبر الحدود السورية-العراقية.
وأشارت إلى أن التحقيقات الأولية، أظهرت أن الشحنة كانت معدة للعبور عبر الأراضي السورية باتجاه لبنان لصالح “حزب الله”.
كما أوقفت قوى الأمن الداخلي في طرطوس، محاولة تهريب شحنة من الأسلحة والذخائر كانت متجهة إلى الأراضي اللبنانية، بالتنسيق مع جهاز الاستخبارات العامة.
وأوضح الأمن الداخلي أنه تمكن من ضبط الشحنة بالكامل، والتي شملت بنادق آلية، وقذائف (RPG)، بالإضافة إلى مخازن أسلحة وكميات من الذخائر المتنوعة المجهزة والمعدة للتهريب.
عوامل النجاح السوري
يرى الباحث في “المركز السوري للدفاع والأمن” (مسداد) معتز السيد، أن الإعلانات الأخيرة من وزارة الداخلية السورية عن إحباط أكثر من شحنة أسحة متجهة إلى لبنان، يشير إلى جهود كبيرة تبذلها الأجهزة الأمنية في تنظيم العمل على الحدود.
وأضاف السيد أن رفد الأجهزة بالكوادر والخبرات والتجهيزات اللازمة، ساهم بشكل واضح في رفع قدرة الأمن السوري على إحباط عمليات التهريب.
وأرجع السبب الأبرز في نجاح القوى الأمنية السورية في الفترة الأخيرة، إلى مستوى التنسيق الواسع مع دول الجوار، سواء من خلال تبادل المعلومات أو تنفيذ عمليات مشتركة، وهو ما أعطى الأجهزة السورية قدرة أكبر على رصد مسارات التهريب والتعامل معها قبل وصول الشحنات إلى وجهتها.
من جهته، أوضح الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية نوار شعبان قباقيبو، أن أي نجاح في المهام الأمنية يعود إلى الاستفادة من التجارب السابقة، من خلال تحليل البيانات والاستفادة من المعلومات الاستخباراتية بشكل دقيق.
وأشار إلى أن تطوير المعلومات الاستخباراتية بشكل لا يثير انتباه الجهات التي تعمل على التهريب، يمثل عاملًا حاسمًا في العمل الأمني، قبل تحديد المكان والزمان المناسبين لاعتراض شحنة السلاح المهربة.
عملية لبنانية ومباحثات للتنسيق المشترك
لم تتوقف الجهود الأمنية لضبط عمليات التهريب عند الجانب السوري، فقد أعلن الجيش اللبناني، في 4 من آب الحالي، ضبط صواريخ من عيار 122 ملم “غراد” جرى تهريبها من الأراضي السورية إلى لبنان، خلال عملية نفذتها وحدة عسكرية في جرود عرسال.
وقال الجيش، في بيان عبر معرفاته الرسمية، إن القوة العسكرية صادرت الصواريخ، إضافة إلى آلية “بيك أب” كانت تُستخدم في نقلها.
كما أوقفت شخصين لبنانيين يشتبه بانتمائهما إلى شبكة تهريب، فيما نفذت عمليات دهم بحثًا عن بقية أفراد الشبكة، أسفرت عن ضبط ذخائر وعتاد عسكري.
وأضاف الجيش أن المضبوطات سُلمت إلى الجهات المختصة، فيما بدأ التحقيق مع الموقوفين بإشراف القضاء، مع استمرار ملاحقة بقية المتورطين.
وجاءت العملية قبل يوم واحد من اجتماع أمني عقده الطرفان، في 5 من آب الحالي، جمع وفدًا من وزارة الداخلية السورية برئاسة معاون وزير الداخلية السوري للشؤون الأمنية، العميد ملهم الشنتوت، مع وزير الداخلية والبلديات اللبناني أحمد الحجار في بيروت.
وذكرت وزارة الداخلية السورية، أن الاجتماع ناقش أبرز الملفات ذات الاهتمام المشترك، وسبل تعزيز التعاون الأمني بين البلدين الشقيقين.
فوائد التنسيق السوري اللبناني
العمليات السورية اللبنانية المتوازية تطرح أسئلة حول التنسيق بين البلدين في هذه الخطوات وأهميته في محاربة الطرفين لهذه الظاهرة، في ظل سعي الحكومة اللبنانية لفرض سيادتها الأمنية على البلاد.
يعتقد الباحث نوار قباقيبو أن التنسيق بين الجانبين يعزز عمليات مكافحة تهريب الأسلحة من خلال تسيير دوريات ونقاط تفتيش مشتركة على الحدود وتبادل المعلومات الاستخباراتية بين البلدين، مما يساعد في رفع وتيرة الأداء الأمني على الحدود المشتركة بينهما.
وأشار قباقيبو إلى أن “حزب الله”، يدرك هذا التنسيق لكنه يخاطر بسبب حاجته الملحة لهذه الأسلحة، منوهًا إلى أن التنسيق السوري- اللبناني، سيؤثر على عملياته وتحركاته العسكرية سواء داخل لبنان أو خارجه.
الباحث معتز السيد يعتقد أن التنسيق السوري اللبناني في هذا الملف، يعد مهمًا جدًا في التعامل مع خطوط تهريب السلاح.
وأوضح أن محدودية القرار اللبناني في التأثير على “حزب الله”، لا تمنع التوصل إلى مسار لنزع سلاح الحزب في حال استمرار الضغط، وإغلاق هذا الخط بشكل نهائي بالتنسيق بين السلطات السورية واللبنانية.
وأضاف أن فوائد ضبط الحدود، لا تقف عند الجانب اللبناني، بل تمثل شرطًا رئيسيًا للاستقرار الأمني في الداخل السوري، مشيرًا إلى أن استمرار عمليات التهريب يعني استمرار إمكانية وصول السلاح إلى مجموعات يمكن أن تستخدمه لزعزعة الأمن.
وعبّر السيد عن رأيه بأن ضعف الإمكانيات الأمنية السورية، لم تمنع من تحقيق قفزات واضحة في مستوى ضبط الحدود خلال الفترة الأخيرة، متوقعًا أن تشهد المرحلة المقبلة مزيدًا من الجهود والتشدد في هذا الملف.
وجهة السلاح.. “حزب الله” المتهم الأول
قالت وزارة الداخلية السورية، إن التحقيقات الأولية بخصوص شحنة الأسلحة التي ضبطتها عند الحدود العراقية، استنادًا إلى الأدلة والقرائن التي جُمعت خلال العملية، أظهرت أن الشحنة كانت معدة للعبور عبر الأراضي السورية باتجاه لبنان لصالح “حزب الله”، بينما لم تتهم دمشق أي جهة بعد الإعلان عن ضبط الشحنة الأخرى القادمة من طرطوس.
وجاءت العمليات الأخيرة في ظل تصاعد الاتهامات الرسمية السورية تجاه “حزب الله” خلال الأشهر الماضية، إذ أعلنت وزارة الداخلية في عدة مناسبات إحباط عمليات قالت إن الحزب أو جهات مرتبطة به تقف خلفها.
اعتبر الباحث نوار قباقيبو أن “حزب الله” قد يكون المستفيد الأول، مشيرًا إلى أن النزاع العسكري الدائر في المنطقة يجعل أصابع الاتهام تتوجه مباشرة إليه.
ولم يغفل شعبان احتمالية توجه هذه الأسلحة إلى جهات إجرامية ربما تعمل في تجارة المخدرات وتحتاج إلى الأسلحة في عملها، فـ”حزب الله” هو المتهم الرئيسي لكنه ليس الوحيد.
ويتفق الباحث معتز السيد مع قباقيبو، في أن “حزب الله” هو الوجهة الرئيسية المستفيدة من هذه الأسلحة، وخصوصًا الأسلحة المتطورة، منوهًا إلى أن هذا لا يعني أن عمليات التهريب تقتصر عليه.
وأضاف السيد أن هذه الأسلحة من الممكن أن تصل إلى مجموعات أخرى لديها أجندات مختلفة، مثل تنظيم “الدولة الإسلامية” أو مجموعات مرتبطة بالنظام السابق، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن هذه العمليات تبقى محدودة، لأن هذه المجموعات لا تملك داعمًا بحجم إيران وبقيمة “حزب الله” الذي يملك قدرات كبيرة من التمويل والتسليح والاستمرار في عمليات التهريب.
قدرة العمليات الأمنية على إيقاف التهريب
لا تقف الإعلانات الأخيرة عند نجاح القوى الأمنية السورية في إحباط عمليات التهريب، بل تعطي مؤشرًا أيضًا على كثافة تحركات الجهات المهربة عبر الأراضي السورية.
وحول مدى قدرة الأجهزة الأمنية على إيقاف عمليات التهريب بشكل نهائي، يعتقد الباحث معتز السيد أن التوتر العسكري الذي تشهده المنطقة بين إيران من جهة والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى، يجعل من الصعب توقع توقف تهريب السلاح إلى “حزب الله”.
وأشار إلى أن إيران لا تزال تنظر إلى الحزب باعتباره نقطة مواجهة متقدمة مع إسرائيل وورقة ضغط لا يمكن التخلي عنها.
وتوقع السيد انطلاقًا من الاعتبارات السابقة أن تبقى محاولات تهريب السلاح قائمة، حتى مع ارتفاع مستوى الرقابة الأمنية وإحباط عدد من الشحنات.
من جانبه أشار الباحث نوار قباقيبو، إلى أن الحدود الطويلة بالإضافة إلى اعتماد عمليات التهريب على جهات وسيطة تمتهن التهريب وسيلة لكسب المال، يجعل احتمالية مرور شحنات أسلحة دون كشفها أمرًا ممكنًا، كون عملية إغلاق الحدود والسيطرة عليها بشكل كامل، يعد أمرًا صعبًا.
ونوه إلى أن العمليات الأخيرة قد تساعد في تقليل العمليات دون القضاء عليها بشكل كامل.