ماريا فالتورتا: لغز امرأة أعادت كتابة حياة المسيح والعذراء مريم والإنجيل بـ “رؤى خارقة للطبيعة”

صدر الصورة، Fondazione Erede di Maria Valtorta
“سآتي دائماً، ومن أجلك أنت وحدك، وسيكون الأمر أكثر عذوبة، لأنني سأكون بكليّتي لك… سأحملك إلى علوّ أكبر، إلى الأجواء النقية للتأمل الخالص… وعندئذ لن تتأملي إلا أنا… سأجعلك تنسين العالم في محبتي”.
في منتصف القرن الماضي، ظهرت في إيطاليا امرأة لم تكن، على ما يبدو، تسعى إلى الشهرة، لكنها أصبحت واحدة من أكثر الشخصيات جدلاً في تاريخ الكتابات المسيحية الحديثة، رغم كونها عاشت سنوات طويلة تحت وطأة المرض الذي أقعدها عن الحركة وألزمها الفراش، وفي عزلتها الطويلة، بدأت تتشكل أمامها، بحسب قولها، مساحة أخرى أكثر اتساعاً: عالم من المشاهد الدينية والحوارات والشخصيات والأحداث المرتبطة بحياة المسيح وزمنه وبيئته.
ظهرت كتابات ماريا فالتورتا في مساحة شديدة الخصوصية تتأرجح بين التأمل الروحي والسرد الديني، ولا سيما كتابها المعروف باسم “الإنجيل كما أوحي به إليّ”، الذي قدمت فيه رواية مطوّلة لحياة يسوع المسيح، صاغت فيه مشاهد غنية بالتفاصيل والشخصيات والأحداث، لم تقتصر على وقائع إنجيلية فحسب، بل امتدت إلى وصف مدن وقرى وطرق ومنازل وعادات وملابس وأطعمة وعلاقات داخل المجتمع، لترسم صورة نابضة للحياة اليومية في فلسطين زمن المسيح، يعطي القارئ إحساساً بالانتقال إلى عالم القرن الأول الميلادي ومشاهدة أحداثه من خلال سرد شديد التفصيل.
بيد أن هذا العالم الروحي والتاريخي الذي رسمته فالتورتا ظل، منذ نشر كتابها، موضع جدل واسع، ففي حين رأى قراء وباحثون في مادته قيمة روحية وتأملية وأدبية، أثارت تلك التفاصيل الكثيرة، التي تجاوزت ما ترويه الأناجيل المعتمدة عن المسيح، تساؤلات كنسية ولاهوتية وتاريخية حول طبيعة هذه النصوص ومصدرها، ومدى إمكان اعتبارها “رؤى” أو “وحياً خارقاً للطبيعة”، فضلاً عن مدى دقة بعض التفاصيل التاريخية والجغرافية والإنجيلية.
“أسئلة محيّرة”
صدر الصورة، Fondazione Erede di Maria Valtorta
لم تكن فالتورتا، بحسب تعبيرها، ترى نفسها مؤلفة تكتب رواية تاريخية عن يسوع المسيح، بل كانت تؤمن بأنها “تنقل ما تراه وتسمعه في رؤى وتجليات خاصة”، ومن هنا بدأت القصة: امرأة تقول إن حياتها انفتحت على مشاهد من فلسطين في القرن الأول، ورأت المسيح والعذراء مريم والرسل وشخصيات أخرى، وسمعت حوارات بينهم، ثم أخذت تدون كل ما تشاهده في دفاترها.
وتجبر طبيعة الكتاب وموضوعه على طرح تساؤلات: هل كانت فالتورتا تنقل ما اعتقدت أنها مشاهد حقيقية رأتها عن حياة المسيح وتعاليمه، أم أننا أمام عمل أدبي وروحي صاغ تصوراً متخيلاً لعالم الإنجيل؟ ومن أين جاءت تلك التفاصيل الدقيقة عن المدن والقرى والعادات والحياة اليومية في زمن يسوع؟ وهل تتوافق بالفعل مع الأناجيل والمصادر التاريخية والأثرية؟ وكيف تعاملت الكنيسة مع هذه الكتابات: أهي رؤى خاصة، أم تأملات دينية، أم نصوص يمكن اعتبارها وحياً؟ وأين يلتقي التاريخ بالأدب، وأين يفترقان؟ وهل يمكن قراءة الكتاب بوصفه تجربة روحية وأدبية جديرة بالتأمل، من دون الخلط بينه وبين نص الإنجيل نفسه؟
يتساءل الأب يوهنان-مريم دي كازيناف في مقدمة دراسة “ماريا فالتورتا: هل هي سيرة حياة خيالية ليسوع؟ L’ÉNIGME VALTORTA:Une vie de Jésus romancée?”، للكاتب والباحث الفرنسي جان فرانسوا لافيير قائلاً: “في حالة ماريا فالتورتا، وبعد قراءة هذه الدراسة المتميزة، يجد العلم، الذي تزداد فاعليته كلما كشف وقائع جديدة ظلت مجهولة لمدة ألفي عام، نفسه لا غارقاً في تعقيدات إبستمولوجية فحسب، بل في مواجهة تناقض حاد مع خبرته الخاصة: كيف استطاعت هذه المرأة البسيطة أن تعرف ما كان مدفوناً منذ ألفي عام، ثم يظهر من جديد بعد نصف قرن من وفاتها؟”
“من هي ماريا فالتورتا؟”
صدر الصورة، FONDAZIONE MARIA VALTORTA
وُلدت ماريا فالتورتا، بحسب ما ذكره موقع “مؤسسة تراث ماريا فالتورتا Fondazione Erede di Maria Valtorta” (النسخة الفرنسية)، في 14 مارس/آذار 1897 بمدينة كازيرتا الإيطالية، وكانت الابنة الوحيدة لأسرة تعود أصولها إلى إقليم لومبارديا. كان والدها جوزيبي ضابطاً في سلاح الفرسان، وكانت والدتها إيزيده فيورافانزي، المعلمة السابقة للغة الفرنسية، امرأة شديدة الصرامة، لذا تركت علاقتهما الصعبة أثراً عميقاً في حياة ماريا، بينما أسهم والدها في غرس القيم الإنسانية وحب الطبيعة والفنون فيها.
وبحكم عمل والدها، تنقلت الأسرة بين كازيرتا وفاينتسا وميلانو وفوجيرا، فنشأت ماريا في بيئات متعددة، وأظهرت منذ طفولتها ذكاءً، وقوة إرادة، وحساسية روحية، إلى جانب انجذاب مبكر نحو المسيح وآلامه، التي كانت تراها تعبيراً عن محبته للبشر، وكانت السنوات الأربع التي قضتها في مدرسة بيانكوني بمدينة مونتسا مرحلة مهمة في تكوينها الثقافي والديني والروحي.
في عام 1913 غادرت المدرسة وانتقلت العائلة إلى فلورنسا، وخلال الحرب العالمية الأولى، عملت ماريا ثمانية عشر شهراً ممرضةً في مستشفى عسكري، كما أن تدخل والدتها في حياتها الشخصية أدى إلى انتهاء خطبتين متتاليتين، فتخلت عن حلم الزواج والأمومة.
وفي عام 1924، استقرت الأسرة نهائياً في فياريجيو بعد أن اشترى والداها منزلاً هناك، ثم في أواخر عام 1929، انضمت ماريا إلى حركة العمل الكاثوليكي، وشاركت في النشاط الرعوي مندوبة للثقافة لدى جمعية الشابات، حيث كانت تقدم التعليم الإنجيلي وتلقي محاضرات عن القديسين والقديسات.
ومع تدهور حالتها الصحية، أصيبت بعجز دائم وشلل تدريجي في أطرافها السفلية، ورغم ذلك واصلت بعض أعمال الخدمة والرعاية، ثم اتخذت، بحسب سيرتها الذاتية، قراراً بتقديم ذاتها “ذبيحة للحب والعدل الإلهيين”.
وفي عام 1933 غادرت منزلها للمرة الأخيرة، لتدخل مرحلة العزلة التي ستلازمها حتى نهاية حياتها، وبحلول عيد القيامة عام 1934، أصبحت عاجزة تماماً عن مغادرة فراشها.
وفي أوائل عام 1943، وبطلب من مرشدها الروحي الأب روموالدو م. ميليوريني، بدأت ماريا كتابة سيرتها الذاتية، وخلال فترة وجيزة ملأت سبعة دفاتر، ضمت 761 صفحة سجلت فيها تفاصيل حياتها، بما فيها ما اعتبرته جوانب الخير والشر فيها.
صدر الصورة، Social Media
بيد أن التحول الأبرز جاء في العام نفسه، يوم “الجمعة العظيمة” من عام 1943، عندما بدأت، بحسب قولها، تتلقى ما وصفته بـ “إملاءات” ذات مصدر خارق للطبيعة، ومنذ ذلك الوقت، واصلت الكتابة وهي ملازمة لفراشها بصورة شبه يومية حتى عام 1947، ثم بصورة متقطعة حتى عام 1951، وخلال تلك السنوات كتبت 122 دفتراً، بلغ مجموع صفحاتها 13193 صفحة، وكانت تقول إنها “لم تكن تعرف مسبقاً ما ستكتبه كل يوم، ولم ترجع إلى مصادر مكتوبة سوى الكتاب المقدس وتعليم البابا بيوس العاشر”.
وأثناء الحرب العالمية الثانية، اضطرت ماريا إلى مغادرة فياريجيو والإقامة في سانت أندريا دي كومبيتو بين أبريل/نيسان وديسمبر/كانون الأول 1944، لكنها واصلت الكتابة هناك، وفي عام 1947، يوم عيد ميلادها الخمسين، نسبت إلى المسيح وعداً بمواصلة الحضور معها، وبعد شهر أخبرت أمها الروحية الكرملية، الأم تريزا ماريا للقديس يوسف، بأنها “قدمت حتى عقلها لله”.
تخلت ماريا عن السعي للحصول على إذن كنسي لطباعة عملها بعد سنوات من محاولات نشره، لذا قررت، احتراماً لما اعتبرته “إرادة يسوع المسيح” ورغبة في إيصال كتاباتها إلى النفوس، إسناد نشره إلى دار م. بيساني، وفي عام 1952 أُبرم عقد النشر في فياريجيو، وبدأ تعاونها مع ميكيلي بيساني.
وفي صيف 1956، بالتزامن مع صدور المجلد الأول، دخلت حالتها النفسية والجسدية مرحلة من الانعزال والفتور والتأمل، وتراجعت قدرتها على الكلام والتفاعل، وكانت تكتب أحياناً عبارة قصيرة تعبّر عن إيمانها: “يا يسوع، أثق بك”.
توفيت ماريا فالتورتا، في عام 1961، عن عمر ناهز 64 عاماً، بعد أن أمضت نحو 27 عاماً ملازمة للفراش، وفي الثاني من يوليو/تموز 1973، نُقلت رفاتها من فياريجيو إلى فلورنسا، حيث دُفنت في كنيسة بالدير الكبير التابع لبازيليكا ومزار البشارة المقدسة، ولا يزال منزلها وقبرها مقصدين لقرّاء كتاباتها، الذين يتركون في سجل الزيارات كلمات امتنان وصلوات وطلبات لما يصفونه بـ “نِعَم خاصة”.
“الإنجيل كما أوحي به إليّ”
صدر الصورة، Fondazione Erede di Maria Valtorta
يمثل كتاب فالتورتا الموسوعي “الإنجيل كما أوحي به إليّ” العمل الرئيسي في حياتها، وقد صدر في عشرة مجلدات، ويتناول العمل مراحل متتابعة من التاريخ الإنجيلي، بدءاً من مشاهد قبل ميلاد القديسة العذراء مريم وطفولتها، ثم ميلاد يسوع المسيح وطفولته، وصولاً إلى تفاصيل دقيقة للسنوات الثلاث من حياته وخدمته العلنية على الأرض، وهي الجزء الأكبر من الكتاب، ثم أحداث آلامه وصلبه وقيامته وصعوده، وتأسيس الكنيسة الأولى، وأخيراً إصعاد جسد العذراء إلى السماء.
كتبت فالتورتا معظم العمل بين عامي 1944 و1947، بينما تعود بعض الحلقات الأخيرة إلى عام 1951، وتلفت طريقة الكتابة إلى محافظتها على التسلسل الزمني للأحداث، إذ كانت تضطر أحياناً، لأسباب روحية، إلى كتابة حلقة أو أكثر خارج سياق السرد، ثم كان يسوع، بحسب قولها، يحدد لها لاحقاً موضعها الصحيح ويملي عليها المكان الذي ينبغي أن تُدرج فيه.
وتعددت الأسماء التي عُرف بها العمل عبر مراحل نشره، فبحسب مؤسسة تراث ماريا فالتورتا، كان عنوانه الأصلي “إنجيل يسوع كما كُشف ليوحنا الصغير”، ثم ظهر عنوان آخر هو “كلمات الحياة الأبدية”، وهو الاسم الذي كان يُفترض أن يحمله العمل لو تولّت نشره دار أُنشئت خصيصاً لهذا الغرض، ثم عنوان “المأساة الإلهية” بحسب العقد المبرم مع بيساني في 6 أكتوبر/تشرين الأول 1952.
أما عنوان “قصيدة يسوع” فقد اقترحه أحد المعجبين بالعمل، ووافقت عليه الكاتبة والناشر، فطُبع على المجلد الأول، بيد أن العنوان لم يستمر، بعدما طالبت دار نشر أخرى بحق حصري في استخدامه، إذ كانت قد أطلقت الاسم نفسه على كتاب شعر سبق نشره.
وبناء على ذلك عُدّل العنوان إلى “قصيدة الإنسان-الإله”، وهو الاسم الذي ظهر على الطبعة الأولى، الصادرة في أربع مجلدات باسم مؤلف مجهول، إذ لم تكن فالتورتا ترغب في ذكر اسمها خلال حياتها، واستُخدم العنوان نفسه لاحقاً في الطبعة الجديدة المؤلفة من عشرة مجلدات، وأضيفت إليه عبارة “كتابات ماريا فالتورتا”.
أما عنوان “الإنجيل كما أوحي به إليّ”، فقد ارتبط بالنسخة الفرنسية التي ترجمها فيليكس سوفاج، ويقال إن المترجم اشترط ألا تُنشر الترجمة إلا بعنوان ينسجم مع العنوان الإيطالي الأصلي، فجاء العنوان الفرنسي بصيغة المتكلم، مسبوقاً باسم ماريا فالتورتا، بما يوحي بأن الاسم والعنوان يشيران معاً إلى صاحبة العمل، وبمرور الوقت أصبح هذا هو العنوان المعتمد لمختلف طبعات وترجمات العمل، واستقر بوصفه عنوانه النهائي
“لغز التفاصيل الجديدة”
صدر الصورة، FONDAZIONE MARIA VALTORTA
على مدار ألفي عام لم تتوقف قصة المسيح يوماً عن إثارة الاهتمام والإعجاب، بل وحتى الفضول، وبالنسبة إلى أنصار كتاب فالتورتا، لا تكمن أهميته في ضخامته فحسب، بل في طبيعة مادته، إذ يحاول أن يقدم سرداً موسعاً لحياة المسيح، ويملأ مساحات واسعة تركتها الأناجيل المعتمدة مفتوحة أمام تساؤلات القارئ: ماذا كان يسوع يفعل بين الأحداث المذكورة؟ وكيف كان يتحدث مع تلاميذه خارج اللحظات المسجلة؟ وكيف كانت علاقته بأمه العذراء مريم؟ وماذا قال لأشخاص لم تذكرهم النصوص إلا عرضاً؟ وكيف كانت تبدو الحياة اليومية في فلسطين آنذاك؟
ملأت فالتورتا جانباً كبيراً من هذه المساحات في عشرة مجلدات ضخمة، تضم العديد من القصص والمشاهد والحوارات، ومن هنا اكتسب العمل جاذبيته لدى شريحة من القراء، إذ يمنحهم إحساساً بأنهم لا يقرؤون قصة الإنجيل من بعيد، بل يقتربون من عالمها الإنساني والاجتماعي والجغرافي، ويطلعون على تفاصيل لا تقدمها النصوص الإنجيلية المعتمدة بهذا الاتساع.
ويشير لافيير في دراسته إلى أن “المعقولية سمة من السمات الأساسية للرواية التاريخية الجيدة”، موضحاً أن “فالتورتا تصف المدن والمعالم الأثرية والتضاريس وطبيعة التربة وتفرعات الطرق والأحجار، إلى جانب تنوع الزراعات بما يتناسب مع طبيعة الأرض، والجسور الرومانية وقنوات المياه والينابيع التي كانت تتدفق في بعض الفصول وتجف في أخرى”.
ويرى لافيير أن كثيراً من هذه التفاصيل، عند إخضاعها لتحقق المتخصصين، “تكشف عن دقة لافتة”، مضيفاً أن “الحفائر الأثرية الحديثة أثبتت، في بعض الحالات، صحة وصف أماكن لم تكن معروفة في زمن فالتورتا”.
بيد أن هذه الجاذبية الأدبية والروحية فتحت أمام المعارضين سؤالاً أكثر حساسية: هل يمكن للتفاصيل التي لا توردها الأناجيل أن تصبح، بمجرد ورودها في سرد ديني، حقيقة تاريخية أو وحياً إلهياً؟ من هنا يبدأ أحد أهم أوجه الجدل بشأن كتاب فالتورتا.
“مسيح فالتورتا الذي لم تكتبه الأناجيل”
صدر الصورة، Getty Images
يظهر المسيح في نصوص فالتورتا بصورة شديدة الحضور، فهو ليس شخصية بعيدة لا نعرف عنها إلا ما سجلته الأناجيل، بل شخصية تتحرك وتتحدث وتشرح وتناقش وتلتقي الناس، وتكشف عن تفاصيل حياتها وتعاليمها وعلاقاتها بتلاميذها ومريم وغيرهم، وهذا ما منح الكتاب قوة تأثيره، فالقارئ لكتاب فالتورتا لا يجد أمامه مجرد “شرح لاهوتي” عن المسيح، بل “سرداً أدبياً” تتحرك فيه الشخصيات داخل فضاء حي، وتكتسب فيه المشاهد اليومية حضوراً واسعاً.
بيد أنه من المهم تسليط الضوء على الصورة الأدبية للمسيح في عمل فالتورتا وصورة المسيح الذي تشهد له الأناجيل المعتمدة. فالأناجيل الأربعة لم تُكتب بوصفها قصصاً تفصيلية تستهدف ملء كل فراغ في الحياة اليومية ليسوع، وإنما تقدم شهادة إيمانية ولاهوتية عن شخصه وتعليمه وصلبه وقيامته، أما فالتورتا فتقدم سرداً موسعاً يتجاوز ما ورد في النصوص الإنجيلية إلى مشاهد وحوارات وتفاصيل إضافية، وهذا الفارق ليس هامشياً، بل يرتبط مباشرة بالسؤال عن مصدر تلك “السلطة الدينية لهذه النصوص”.
ولفهم طبيعة الجدل بشأن كتاب فالتورتا نحيل القاريء إلى حقيقة أن المسيحية عرفت، منذ قرونها الأولى، نصوصاً كثيرة تحدث أصحابها عن “رؤى”، أو “استعلانات”، أو تعاليم خاصة، كما ظهرت كتابات نُسبت إلى الرسل أو إلى شخصيات كانت على صلة بالمسيح، وبعضها قدّم روايات وتفاصيل لا نجدها في الأناجيل الأربعة المعتمدة، وعُرفت هذه النصوص في الدراسات المسيحية باسم “الأبوكريفا” أو “الكتابات المنحولة”.
بيد أن هذه النصوص لم تعتمدها الكنيسة ضمن نصوص الكتاب المقدس، ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين “وحي الروح القُدس” الذي تؤمن به المسيحية كمصدر لتلك النصوص، وبين “الرؤى والاختبارات الروحية” لأشخاص.
كما يرى البعض أن جاذبية كتاب فالتورتا تكمن في رغبة إنسانية قديمة تنطوي على معرفة ما لم يُكتب، فداخل هذه المساحات المجهولة التي ملأت الكاتبة جانباً كبيراً منها، يشعر القارئ أحياناً بأنه يقف داخل المشهد لا خارجه، مثل وصفها المطولّ الغنيّ بالتفاصيل لموت القديس يوسف النجار.
صدر الصورة، Getty Images
هذا المشهد لا تذكره الأناجيل المعتمدة، وهو مشهد لا يتسع المجال هنا لترجمته كاملاً، بل نكتفي بذكر مقتطف مختصر منه، على سبيل المثال، بحسب الطبعة الفرنسية للكتاب “L’Evangile tel qu’il m’a été révélé” التي اعتمدنا عليها إصدار عام 1979: “بينما كان منهمكاً (يسوع) في تشكيل ما يبدو لي قطعاً مستديرة لعجلة، تدخل الأم (العذراء مريم) من باب في الجدار الجنوبي، مسرعة في خطاها، ثم تندفع نحو يسوع”.
ويضيف النص: “كانت ترتدي ثوباً أزرق سماوياً عميق اللون، حاسرة الرأس لا يغطّيه شيء، ولم يكن عليها سوى رداء بسيط، يشدّ الخصر حبل من اللون نفسه، وتنادي ابنها بقلق، وتضع يديها كلتيهما على ذراعه في حركة توسل يختلط فيها الرجاء بالألم. فيحنو عليها يسوع، ويطوّق كتفها بذراعه مواسياً ومطمئناً، ثم يمضي معها، تاركاً عمله، ويخلع إزاره”.
وتقول فالتورتا مخاطبة القراء من داخل المشهد: “أعتقد أنكم تودّون أيضاً معرفة الكلمات التي تبادلها الاثنان. لم تقل مريم إلا كلمات قليلة: (آه، يا يسوع! تعال، تعال. إنه يشعر بتوعك)، قالتها بشفتين مرتجفتين، ودموع تلمع في عينيها المحمرتين المجهدتين. أما يسوع فلم يقل سوى: (أمي) غير أن كل شيء كان يتضمنه هذا النداء”.
ثم يتابع النص وصف القديس يوسف في احتضاره: “كان يوسف ممدداً، ورأسه مستند إلى عدة وسائد. إنه يحتضر، يتضح ذلك بجلاء من شحوب وجهه الشديد، وعينه المنطفئة، وصدره متلاحق الأنفاس، ومن استسلام جسده كله للوهن”.
وتصف فالتورتا العذراء مريم قائلة: “تقف مريم إلى جواره من جهة اليسار، وتمسك يده الخشنة الشاحبة حتى أظفارها، تفركها وتداعبها وتقبّلها، وتمسح بقطعة قماش العرق الذي يرسم خيوطاً لامعة على صدغيه الغائرين، والدمعة التي تلمع عند زاوية عينه، كما ترطّب شفتيه بقطعة قماش مبللة بسائل يبدو أنه نبيذ أبيض”.
أما يسوع، فيصوره النص “واقفاً إلى يمين يوسف، ويرفع جسده الواهن برشاقة وحذر، ويعيد إسناده إلى الوسائد بمساعدة مريم، ويداعب جبين المحتضر، محاولاً إنعاشه، تبكي مريم في هدوء بالغ، صامتة، لكنها تبكي، تنحدر الدموع على خديها الشاحبين حتى تستقر على ثوبها الأزرق السماوي الداكن، وتبدو كأنها يواقيت زرقاء متلألئة”.
“هل كانت فالتورتا تعرف ما تكتب؟”
صدر الصورة، Fondazione Erede di Maria Valtorta
لعل هذا من أكثر الأسئلة جدلاً بشأن كتاب فالتورتا، فأنصارها يرون أن حجم المادة التي كتبتها، وسرعة إنتاجها، وغزارة تفاصيلها، إلى جانب ظروفها الصحية الصعبة، تجعل توصيف ما كتبته بمجرد عمل أدبي أمراً غير منصف، ويشير بعض المدافعين عنها كذلك إلى دراسات تناولت معلومات جغرافية وفلكية ومناخية ذكرتها في كتابها، معتبرين أن بعض هذه التفاصيل يتجاوز الظروف التي كانت تعيشها الكاتبة.
وكانت فالتورتا نفسها تصف تجربتها بطريقة توحي بأنها لم تكن تكتب وفق مخطط أدبي مسبق، فتقول: “كنت أتمنى أن أجد تفسيراً لرؤيا الأمس، غير أن شيئاً لم يحدث، كل ما في الأمر أنني أبدأ في الرؤية والكتابة”، وأحياناً، بحسب قولها، كان السرد ينقطع فجأة فتقول: “لم أعد أرى أو أسمع شيئاً”.
ويرى لافيير في دراسته أن “عالم فالتورتا الروائي يحافظ على إطار تاريخي وجغرافي محدد، ففلسطين التي تصفها هي نفسها فلسطين التي كانت واقعة تحت السيطرة الرومانية، والشخصية المركزية هي يسوع المسيح، وتمتد الأحداث في الفترة الواقعة تقريباً بين 20 قبل الميلاد و40 بعد الميلاد”.
ويضيف: “قصة حياة يسوع التي روتها فالتورتا تبدو متماسكة مع الأناجيل الأربعة ومع عدد من النصوص التي نقلها التقليد المسيحي، إلى جانب احتوائها على أحداث وتفاصيل جديدة قد يراها بعض القراء خيالية أو مختلقة”.
ويقول الأب فرانسوا بول دريفوس، بحسب لافيير: “تأثرت عندما وجدت في عمل فالتورتا أسماء ست أو سبع مدن لا يرد ذكرها في العهدين القديم والجديد (الكتاب المقدس)، ولا يعرفها إلا عدد قليل من المتخصصين، كما لا تظهر في بعض المصادر غير الكتابية”، ومن هنا طرح دريفوس سؤالاً: “كيف كان يمكن لفالتورتا أن تعرف هذه الأسماء، إن لم تكن قد تلقتها من استعلانات (وحي) قالت إنها اختبرتها؟”
“تحريم الكتاب ومنعه”
صدر الصورة، FONDAZIONE MARIA VALTORTA
الجدل بشأن كتاب فالتورتا ليس وليد عصرنا الحالي، ففي عام 1959 اتخذت القضية منعطفاً مهماً عندما أُدرج كتابها في فهرس “الكتب المحظورة” التابع للكنيسة الكاثوليكية، ثم نُشر إشعار بذلك في 6 يناير/كانون الثاني عام 1960 في صحيفة “لوسرفاتوري رومانو L’Osservatore Romano”، الصحيفة اليومية للكرسي الرسولي – الفاتيكان، وخصصت الصحيفة في نفس الصفحة تعليقاً عليه في مقال مجهول المؤلف بعنوان: “حياة يسوع صيغت في قالب روائي رديء”.
ونورد ترجمة جزء من نص المنشور يقول: “مرسوم بشأن حظر بعض الكتب، الخميس 16 ديسمبر/كانون الأول 1959. في الاجتماع العام للمجمع المقدس الأعلى لدائرة العقيدة، أصدر أصحاب النيافة والكرادلة المكلّفون بحراسة الإيمان والأخلاق، وبعد الاطلاع مسبقاً على رأي المستشارين، حكماً يقضي بإدراج عمل مجهول المؤلف في فهرس الكتب المحظورة، ويتألف من أربع مجلدات تحمل العنوان التالي: (قصيدة الإنسان-الإله) – طبعة إميلو بيساني، جزيرة ليبري، وتُدرج أيضاً الأجزاء الأخرى من العمل نفسه تحت عنوان (قصيدة الإنسان-الإله) … صدر في روما، من مقر دائرة العقيدة المقدس، في 5 يناير/كانون الثاني 1960”.
وعندما أُلغي نظام “فهرس الكتب المحظورة” بعد سنوات، لم يكن يعني ذلك أن كل كتاب كان “محظوراً” أصبح معتمداً من الكنيسة أو اكتسب قبولاً عقائدياً، ومن وقتها ارتبط اسم فالتورتا بتاريخ طويل من الجدل في الأوساط الكاثوليكية، وظل السؤال حول طبيعة كتابها قائماً.
“الفاتيكان يحسم الجدل”
صدر الصورة، Getty Images
حسمت الكنيسة الكاثوليكية الجدل مؤخراً في 22 فبراير/شباط 2025، عندما أصدرت دائرة العقيدة بياناً رسمياً تناول كتابات ماريا فالتورتا بصورة مباشرة، ويقول نص البيان، نقلاً عن النسخة الفرنسية المنشورة على موقع الفاتيكان: “يتلقى الكرسي الرسولي بصورة متكررة طلبات للإيضاح من جانب رجال الدين والعلمانيين، تتعلق بموقف الكنيسة من كتابات ماريا فالتورتا، من بينها عمل (قصيدة الإنسان-الإله)، المعروف اليوم بعنوان (الإنجيل كما أوحي به إليّ)”.
ويضيف البيان: “في هذا الشأن، نذكّر بأن ما يُوصف بأنه (رؤى) و(استعلانات) و(اتصالات) واردة في كتابات ماريا فالتورتا، أو منسوبة إليها، بأي حال من الأحوال، لا يمكن اعتبارها ذات مصدر خارق للطبيعة، وإنما ينبغي اعتبارها أشكالاً أدبية لجأت إليها الكاتبة لكي تروي، بأسلوبها الخاص، حياة يسوع المسيح”.
وأكد البيان أن “الكنيسة، في تقليدها العريق، لا تقبل الأناجيل المنحولة وغيرها من النصوص المماثلة بوصفها نصوصاً معيارية، لأنها لا تعترف بأنها موحى بها من الله، وتُحيل إلى القراءة المأمونة للأناجيل الموحى بها… الفاتيكان، 22 فبراير/شباط 2025”.
على أية حال تبقى ماريا فالتورتا وكتاباتها حالة لافتة في تاريخ الكتابات المسيحية الحديثة، ليس بسبب ضخامة ما كتبته، ولا بسبب الجدل الطويل الذي أحاط بعملها بحسب، بل لأنها تكشف عن رغبة إنسانية قديمة في الاقتراب من المسيح إلى ما وراء الكلمات، كي يرى القارئ ما لم يُكتب، ويسمع ما لم يُسجَّل.
ويظل السؤال بشأن كتابها: أين ينتهي المقدّس، وأين يبدأ السرد الأدبي؟ أين تنتهي الرواية الشخصية، وأين يُطرح الادعاء بوحي خارق للطبيعة؟ أسئلة لم تحسمها القراءات المتعاقبة للعمل، بل ربما كانت هي نفسها ما جعلت “الإنجيل كما أُوحي به إليّ” موضوعاً للقراءة والتأمل والجدل منذ نشره حتى الآن.
Source link



