من الثلاجة إلى المشلعيب.. كيف أعادت الحرب السودانيين عقوداً إلى الوراء؟

صدر الصورة، Khaled DESOUKI / AFP via Getty Images)
إذا كنت تعيش في منطقة تنعم بالاستقرار، ولا تشهد حروباً أو نزاعات مسلحة، وتتوفر فيها خدمات الكهرباء والمياه بصورة طبيعية، فربما تبدو لك هذه الأدوات مجرد ذكريات من الماضي.
لكن في السودان، عادت هذه الأدوات إلى الواجهة، لتتحول من موروثات تقليدية إلى وسائل للتكيف مع ظروف الحياة التي فرضتها الحرب منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
لجأت سيدات سودانيات مجدداً إلى “المشلعيب”، وهو إناء تقليدي يُستخدم لحفظ الطعام وتبريده، وإلى “مكواة الفحم” التي استخدمتها الجدات قبل انتشار المكاوي الكهربائية، وذلك في أعقاب استهداف 15 منشأة كهربائية في مناطق متفرقة من البلاد، خلال الفترة من 20 أكتوبر/تشرين الأول الماضي إلى الأول من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن مساحات واسعة من البلاد.
وبهذا، لم يعد انقطاع الكهرباء في السودان مجرد ساعات من الظلام ينتظر السكان انقضاءها، بل تحوّل إلى واقع يومي قاسٍ يدفعهم إلى البحث عن بدائل بدائية وشاقة، لكنها باتت ضرورة لمواصلة الحياة في غياب التيار الكهربائي. وتتفاقم هذه الأزمة يوماً بعد يوم مع تزايد الهجمات على البنية التحتية للكهرباء في البلاد.


تتجسد قسوة هذا الواقع في ما روته مواطنة من مدينة كادوقلي لبرنامج “يوميات الشرق الأوسط المذاع عبر بي بي سي قائلة: “الحرب نالت منا ما نالت، فحتى الأمس القريب كنا ننعم بالكهرباء، بثلاجة نحفظ فيها طعامنا وشرابنا”، أما اليوم ومع انقطاع الكهرباء بسبب استهداف محطاتها “اضطررنا للعودة إلى المشلعيب كما كان يفعل جدودنا، فعن طريق المشلعيب يتم رفع الأكل عالياً، وهو ما يؤمّن له درجة حرارة تساعد على حمايته من التلف، كما يحميه ذلك من الحشرات والحيوانات التي أصبحت تعيث بيننا في الظلام”.
تكمل السيدة “الأمر لا يقتصر على الطعام فحسب، فحتى شربة الماء الباردة أصبحت حلماً بعيد المنال بسبب انقطاع الكهرباء وعجزنا عن تشغيل الثلاجات، فلجأنا أيضاً لما كان يفعله جدودنا وهو سكب المياه في صينية من الألومنيوم، ورفعها في الهواء، حيث تساعد هذه الطريقة على خفض درجة حرارتها تدريجياً”.

لا تتوقف المعاناة عند حدود الماء والشراب، بل امتدت لتطال أبسط تفاصيل العصر الحديث؛ فحتى شحن الهواتف المحمولة بات أمراً يتم ببدائية شديدة في السودان.
مواطنة من الأُبيّض تروي جانباً من هذه المعاناة قائلة: “شحن الهواتف بات يتطلب منا التوجه إلى المناطق التي تتوفر فيها المولدات الكهربائية، أو ما يُعرف محلياً بالبوابير التي تعتمد بدورها على الوقود في تشغيلها، والوقود ارتفعت تكلفته مع تفاقم أزمته، إذ وصل سعر حاوية الجاز إلى 600 ألف جنيه سوداني أي ما يعادل 60 دولاراً أمريكياً تقريباً”.
ومضت قائلة: “هذه الزيادة انعكست مباشرة على تكلفة شحن الهواتف، التي ارتفعت من ألف جنيه سوداني سابقاً إلى ألفين، في حين تصل تكلفة شحن أجهزة الشحن ذاتها إلى خمسة آلاف جنيه سوداني عن المرة الواحدة”.
ومن الأبيض إلى طويلة، حيث يمتد شبح أزمة المياه التي خلّفها انقطاع الكهرباء؛ ليصف أحد المواطنين بأسى مشهد البقاء بالقول: “بسبب انقطاع الكهرباء وعدم قدرتنا على تشغيل مواتير المياه أصبحنا نقطع مسافات تقدر بالكيلو مترات مشياً على الأقدام لنملأ براميل مياه صالحة للشرب، ونشرب منها مباشرة دون تعريضها لأي وسائل تبريد مهما ارتفعت درجات الحرارة”
انقطاع الكهرباء ومعه كل وسائل التهوية، وما أدى إليه من انقطاع حادّ في المياه، دفع المواطنين لاستخدام طرق بدائية لتبريد أجسادهم، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة الشديد الذي يشتهر به السودان.

وفي الخرطوم، لم يكن الوضع مختلفاً كثيراً؛ إذ امتدت تداعيات انقطاع الكهرباء لتجبر الأهالي على ابتكار وسائل بديلة لحفظ الطعام، بعدما باتت الثلاجات خارج الخدمة تماماً.
تقول سيدة من الخرطوم: “في ظل انقطاع الكهرباء، لم يعد من الممكن تجهيز الطعام لكي يبقى لمدة يومين مثلاً، كما كنا نفعل في السابق. وإذا بقي بعض الطعام، يتعين علينا أن نسخنه كل ساعتين لكي نحافظ عليه لليوم التالي. وبالنسبة للحوم، فيتعين علينا تقطيعها لكي تجف حتى نحافظ عليها”.

و استهدفت هجمات بطائرات مسيّرة محطات فرعية للكهرباء في مدينتَي أروما وحلفا الجديدة شرقي السودان في وقت مبكر من يوم الاثنين الماضي، ما أدى إلى انقطاع واسع النطاق في التيار الكهربائي في جميع أنحاء ولاية كسلا، وفقاً لمصادر محلية.
وبذلك يرتفع عدد منشآت الطاقة التي تعرضت لهجمات بطائرات مسيّرة في السودان خلال الأسبوع الماضي إلى 15؛ حيث سُجلت حوادث مماثلة في ولايات الخرطوم، والجزيرة، وسنار، والبحر الأحمر، والقضارف، وكسلا، ونهر النيل.
هذه القصص وغيرها عُرضت عبر برنامج” يوميات الشرق الأوسط”، الخدمة الإذاعية الطارئة عبر بي بي سي عربي. يمكنكم الاستماع إلى الحلقات اليومية من الأحد إلى الخميس. هنا
Source link



